كتاب

إنجازات الحكومة في قطاع التعليم العالي: وجهة نظر

الإنجاز أياً كان نوعه وحجمه مرحب به، والجميع يرحب بتعليم متميز ومنافس، وكي لا نبالغ بالترحيب أو النقد علينا ان نقرأ بدقة ما نشرته الحكومة في البند الخامس من إنجازاتها عن قطاع التعليم والموارد البشريّة، وهو أمرٌ غاية في الأهمية أن تلتفت الحكومة لهذا القطاع الذي ومن خلاله تستطيع أن تؤهل كل قطاعات الدولة البشرية المتخصصة.

من المفيد أن نذكّر بآراء الساسة على مدار التاريخ الحديث الذين يَرَوْن ان التعليم والعدل اذا أُحسن العمل عليهما تحقق الدول النجاح تلو الأخر، والسؤال الذي يجب أن يبقى في الاذهان هل حققت الحكومة إنجازات في هذا القطاع؟ أم انها تضع الخطط وتنتظر شارة التنفيذ!

لقد أشبعت الحكومات المتعاقبة التعليم العالي بالخطط والاستراتيجيات وحُسن النوايا، ومع الأسف معظمها مجرد حبر على ورق ؛ والآن هو اوان التنفيذ السريع والضروري للوصول الى مخرجات حقيقية ترفد الوطن بالكفاءات المدربة والمتعلمة والمتخصصة ذات الجودة العالية، وهذا لا يتأتى بالتسويف والانتظار أو من إعادة ضخ الحياة في أوردة أشخاص قدموا ما لديهم قبل أكثر من نصف قرن ولهم منا الاحترام.

كما في موضوع المركز المستقل للمناهج والتقييم، وتصنيف الجامعات محليا، وتدريب المعلمين حيث يجب ان يخضع المعلم المُعين لتدريب وتعليم قبلي وبشكل متميز من خلال كليات تربوية لا تطبق معايير مستوردة لا تتناسب وواقع البيئة الاردنية على أهمية هذه الموضوعات، ولعل من المفيد لقطاع التعليم العالي برمته تنفيذ التوصيات التي عملت عليها لجان علمية متخصصة على مدار عامين في اللجنة الملكية للموارد البشرية، ولا يكفي ان نقرأ عن تبني»الاستراتيجيّة الوطنيّة لتنمية الموارد البشريّة للأعوام (2016 – 2025)»، دون التنفيذ؛ لان التنفيذ هو معيار النجاح والتطبيق العملي الذي يعطي الثقة الحقيقية بإنجازات الحكومة، خاصةً أنّ جلالة الملك يتابع شخصيا مخرجات هذه اللجنة ويسأل بين حين وأخر عن التنفيذ والعوائق التي تحول دون الاستمرار في التنفيذ فضلا عن الجهود الحثيثة التي تتابعها الملكة رانيا في هذا الشأن مما يعني أن المخرجات متابعة بدقة.

أقول لقد تعاقب على وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العديد من الوزراء وقد اجتهدوا كلّ في وقته، ومنهم من وضع استراتيجياته وأصاب ومنهم من ألغاها، ومنهم من بنى وأسس على السابق ، والنتيجة اننا امام حقائق قارة تحتاج الى تنفيذ على ارض الواقع. وحين تقول الحكومة أنها تضع خطّة تنفيذيّة للاستراتيجيّة للأعوام العشرة المقبلة، وتخصص الموارد الماليّة لتنفيذ محاورها في موازنة عام 2017م، وتباعاً في السنوات المقبلة، والبدء الفوري بتنفيذ الأهداف الاستراتيجيّة والفرعيّة لها ، فان المطلوب تنفيذ الخطة الاكاديمية والتعليمية بحذافيرها دون نقص أو انتقائية؛ خاصة في ما تعانيه الجامعات من مشكلات تتعلق بالرسوم والتمويل والتعليم الموازي والازدحام الحقيقي في أعداد الطلبة ونقص الكوادر البشرية وعدم قدرة الجامعات على مواكبة التطور والتغيير بسبب نقص التمويل، إضافة الى ضرورة تغيير الصور النمطية السائدة لوضع الجامعات امام المجتمع، بسبب عدم استقرار التشريعات والقوانين ، وللأسف مجرد اقرت اخر تشريعات عام 2009 وبعد اقل من أشهر عدة بدأت عجلة العمل على تغييرها، وبالتالي لم تستقر هذه القوانين والتشريعات كما يجب، ونقرأ منذ ذلك التاريخ بين الحين والآخر عن الرغبة في تغييرها، وهو امر ينعكس سلبا على الإنجاز الاكاديمي في تطوير الموارد البشرية في الجامعات بسبب التغيير المستمر في التشريعات الناظمة للجامعات.

كنت اتمنى على الحكومة ان تضع الاستراتيجية كاملة على الطاولة وتبدأ بتنفيذها بندا بندا، لا أن تختار بانتقائية بنودا بعينها وتترك البنود الاساسية المهمة في إيصال التعليم العالي الى القمة المأمولة في الاستراتيجية، والجميع يعرف ان تصنيف الجامعات لا يتم بمنافسة محلية بعيدا عن التنافسية الدولية التي يجب ان ننافس فيها على مستوى العالم، وللأسف ما زالت الجامعات الاردنية بحاجة الى المزيد للوصول الى ذلك، وهي قضية لا تنفصل عن التمويل الحقيقي الذي تحتاجه الجامعات ,

وهنا دعنا نسأل الحكومة كيف يتم تخريج الطبيب او المهندس او المعلم او القاضي وفي اي تخصص كان والجامعات تعاني نقص التمويل الذي يعيد تأهيل المختبر بالوسائل الحديثة ، او عدم القدرة على تدريب اصحاب هذه التخصصات على أكمل وجه، ويكفي ان نشير الى معاناة الاطباء الجدد الذين لا يجدون مكانا يتدربون فيه سنة الامتياز أو سنوات الإقامة، وتبادر الجامعات وتتنافس على افتتاح كليات طبية دون اي نظر لاحتياجات هؤلاء الخريجين، نعم اذا ارادت الحكومة ان تتفاخر بمنجزاتها التعليمية فمن حق الجامعات ان تطالب بإعادة الاعتبار لها كبيوت خبرة علمية متميزة، وهذا لا يتأتى دون تلبية احتياجات الجامعات العلمية والاكاديمية والمالية والإدارية الناجحة، ولعل من المفيد ان نشكر الوزارة التي ترغب بإجراء تقييم حقيقي لإنجازات كل جامعة، وهنا أودّ ان اذكر ان لجان اللجنة الملكية لتطوير الموارد البشرية كانت تضم نخبة من الأكاديميين كان من بينهم الوزير الحالي وأمين عام الوزارة الحالي وثقة زملائهم من الوزراء السابقين والخبراء ممن كانوا معهم في اللجان عالية، ونحن نقدر جهود الجميع في هذا الشأن، ولا نقلل من اي جهد صغر أو كبر لأن الجميع في مركب الوطن، والتعليم العالي يعظم جهود الجميع؛ لان نجاح هذا القطاع نجاح للوطن.

والخطوة الاساسية لأي نجاح لا ينفصل عن سؤال الكادر الاكاديمي الذي يمتلك التجارب الجادة والاعتماد عليه لكي لا يشعر أنه مغيّب عن دوره، وأظن انه قد آن ان يعاد الاعتبار للاستاذ الجامعي على قاعدة انه الأساس في التغيير والتطوير، ولا يجوز باي حال من الاحوال ان يشعر بالتهميش والاقصاء، ويكفي ان انقل لكم معاناة بعض الزملاء في جامعات أردنية عديدة من أنهم لا يستطيعون مقابلة رؤساء جامعاتهم، وان بعض عمداء كلياتهم يماطلون حتى في مقابلاتهم وسماع وجهات نظرهم ، وهم يقولون بالحرف الواحد: ألم يتعلموا من قائد الوطن الذي كان يشارك شخصيا بإطفاء حرائق الكمالية وكان في المقدمة، وكيف لا يفتح هؤلاء أبوابهم لزملائهم الذين يمتلكون الخبرة والدراية والحلم والمعرفة والاناة والصبر.

الجامعات تحتاج الى ثورة بيضاء تقلب السكون، وتعيد لها بريقها وحضورها من جديد بحيث يشعر الاستاذ الجامعي بهيبته العلمية الباذخة امام طلبته وأقرانه وزملائه؛ لانه أفنى عمره في محراب العلم، وقد آن تكريمه وتعظيمه وسماع رأيه، ودون ذلك قد لا يحصل التغيير المنشود ولا يتم التطوير المطلوب، وإن كان من شكر في هذا الإطار فهو لكل من يسهم في حمل لواء التطوير والتغيير سواء في الوزارة أو اللجنة الملكية لتنمية الموارد البشرية أو الجامعات، وفي الختام يجب ان يعمل الجميع يدا واحدة للارتقاء بهذا القطاع للوصول لأعلى المستويات العلمية وأرقاها.

mohamadq2002@yahoo.com