اقتراب مراحل الصراع المسلح في الدول التي عصف بها ما سُمي جزافاً بالربيع العربي لا يعني أن الاختلافات قد حسمت وأن المنطقة ستدخل مرحلة استقرار، بل ستدلف المنطقة إلى مرحلة أشد خطورة في تشكيلها على هيئتها الجديدة، هذه المرحلة الوسيطة ستحدد مستقبل المنطقة، هل ستعود للصراع والتحارب أم أنها سترضى بما ستنتجه صناديق الاستفتاء القادمة لتقسيم المنطقة عرقياً وطائفيا ودينياً.
وفي الوطن العربي مثال واضح على قدرة الاستفتاءات على تقسيم الدول، بعد أن تمر شعوب تلك الدول بما يعزز عندها رغبتها بالانقسام والانفصال. ففي عام 2011 تم الاستفتاء في مناطق جنوب السودان حول رغبة سكان مناطق جنوب السودان بالبقاء بدولة واحدة هي السودان أو الانفصال والتمتع بدولة مستقلة، فجاءت الأغلبية الساحقة بتأييد الانفصال، وهو ما تم بعد خمسة أشهر على إعلان نتائج الاستفتاء. واستطاعت صناديق الاستفتاء إنجاز ما مهدت له الحروب والرصاص والاقتتال على مدى سنوات.
اليوم ننتظر استفتاء سيقوم به كرد العراق ويحددون من خلال شكل علاقتهم مع الدولة العراقية، وهل سيستمرون كجزء منها أم أنهم يرغبون بالانفصال والاستقلال بدولة خاصة بهم، وقد تم تحديد شهر أيلول القادم موعداً لهذا الاستفتاء، ورغم بعض الأصوات المعارضة للانفصال إلا أن النتيجة تبدو محسومة سلفاً، حيث ساعد ربع قرن مضى على تشكيل الشخصية الكردية الوطنية ضمن الجغرافيا العراقية، فمنذ عام 1991 ساعد القرار الدولي بالحظر الجوي في العراق شمال خط عرض 36، وهو ما ساعد تدريجياً على تشكيل الهوية الكردية المعاصرة، وبعد سقوط النظام العراقي عام 2003 تم منح الكرد العراقيين حالة الحكم الذاتي ضمن الفدرالية العراقية، فتم الاعتراف برئيس إقليم كردستان العراق، وبرلمان كردستان العراق، وقبول وجود تمثيل قنصلي لكردستان العراق منفصل عن التمثيل العراقي، بالإضافة للاعتراف بالقوة العسكرية الكردية المسماة (البيشمركة).
إذن فإن الحالة الكردية العراقية كانت في حاضنة إنضاج للانفصال، وتم رعايتها بصورة حثيثة من قبل مختلف الأطراف التي ترغب بتقسيم المنطقة أو تستفيد من تقسيمها.
ومع إعلان الاستفتاء على انفصال كردستان العراق، بدا أن الاستفتاء هو (الموضة) القادمة للمنطقة، ففي سؤال غير بريء لقناة الحرة الأمريكية تم الاستفسار عبر التصويت على رغبة اليمنيين الجنوبيين بالانفصال، ورغم عدم دقة الاستفتاء وإمكانية تصويت أي كان، فإنه كان مؤشراً على إمكانية صناعة وتوجيه الرأي العام، وجاءت نتيجة هذا الاستفتاء تأييد ما نسبته 86% من المصوتين للانفصال، وهو ما ساعد على ارتفاع أصوات الانفصاليين وسماعها دولياً، وهو ما دفع الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح إلى الدعوة لإجراء استفتاء شعبي يتحدد معه مصير الوحدة اليمنية.
وعلى الطرف الآخر من الوطن العربي نجد الدعوات للاستفتاء حول مصير الصحراء المغربية بدأت تعلو تدريجياً، وازدادت المطالبات بإجراء الاستفتاء في الفترة الأخيرة، واستطاعت جهات مؤيدة للاستفتاء للوصول إلى جهات وأشخاص وازنين دولياً للضغط أكثر على المغرب للقبول بإجراء الاستفتاء والقبول بمخرجات الاستفتاء.
ويبدو واضحاً للعيان أن التصويت في الاستفتاء الخاص بالصحراء الكبرى في الظروف الحالية سيعني تصويت الأغلبية للانفصال عن المملكة المغربية والحصول على دولة مستقلة.
ومن لندن يظهر علينا الشيخ ياسر الحبيب الذي فقد جنسيته الكويتية ليخاطب شباب الشيعة في المنطقة الشرقية من شبه الجزيرة العربية، ويطلب منهم أن يعملوا بنفس طويل ويخاطبوا الضمير العالمي ويطالبوا بوطن قومي للشيعة على الساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية يُسمى البحرين الكبرى، ويضم الكويت والساحل الشرقي لشبه الجزيرة العربية حتى حدود عمان ومملكة البحرين، وفي خطابه للشباب الشيعي يقتبس مثال مطالبة حركة الصهيونية العالمية للإمبراطورية البريطانية بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.
موضة الاستفتاء هذه ستمتد مستقبلاً لتشمل كامل سورية، وقد تشمل كامل العراق، كما يمكن استخدامها كتهديد للعديد من دول المنطقة.
وخطورة فكرة الاستفتاء أنها تعتبر وسيلة سلمية ومعترف بها دولياً لما يُعرف بحق الشعوب بتقرير مصيرها، وقد تم تفعيلها كوسيلة سلمية لتقرير المصير كثيراً، كتصويت الاسكوتلنديين على الانفصال عن المملكة المتحدة، واستفتاء بريطانيا على الخروج من الاتحاد الأوروبي، والاستفتاء القادم في بورتوريكو بالانضمام للولايات المتحدة الأمريكية.
إذن الحرب التي راح ضحيتها مئات الآلاف من المواطنين العرب خلال السنوات الستة الماضية في مختلف الدول التي عانت من ربيعها لم تكن هي المحطة الأخيرة التي سينتج عنها الشرق الأوسط الجديد، بل حالة من تسخين المنطقة لدرجة الغليان لقبول أي شيء يمكن أن يطفئ النار، حتى لو كان صندوق استفتاء أبلغ من صناديق الذخيرة لتقسيم الخريطة.
وكل ربيع عربي وأنتم بخير، ونلتقي باستفتاءات جديدة للتقسيم.