زيارة ولي ولي العهد السعودي محمد بن سلمان التي قام بها أمس إلى موسكو في غاية الأهمية فهي جاءت بعد قمم الرياض وهي جاءت بعد عودة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بيوم واحد من زيارته الأخيرة إلى باريس وهي جاءت أيضاً بعد مستجدات كثيرة على الأزمة السورية وبعد تحركات عسكرية إيرانية متعلقة بهذه الأزمة وبالأوضاع «المزعزعة» في الشرق الأوسط كله وصولاً إلى ليبيا التي تركها معمر القذافي دولة بلا دولة ونظاماً بلا نظام فتحولت إلى دول وإلى أنظمة مناطقية وقبلية متناحرة.
لا يمكن أن يقوم ولي ولي العهد السعودي بهذه الزيارة وفي هذا الوقت بالذات بدون ترتيبات مسبقة وبدون تفاهمات ولو على الخطوط العامة للقضايا التي سيجري التفاهم عليها وإنْ في الحدود الدنيا للإنتقال بعد ذلك إلى المسائل الأكثر تعقيداً وأغلب الظن بل المؤكد أن الرئيس فلاديمير بوتين إن هو حصل على ما يطلبه من الأميركيين وبخاصة في أوكرانيا وبعض دول البلطيق، ويبدو أنه حصل مؤخراً على بعض الوعود في هذا المجال، فإنه لا بد وأن يقدم «تنازلات» معقولة بالنسبة للأوضاع المتفاقمة في سورية التي تزداد تعقيداً يوماً بعد يوم.
إنه غير ممكن أن تبقى روسيا تناطح رياح الأزمة السورية، التي غدت بالنسبة إليها مكلفة عسكرياً وسياسياً وبالطبع مالياً، وبخاصة وأنًّ الإدارة الأميركية الجديدة، خلافاً للإدارة السابقة، قد أظهرت تصميماً على عدم القبول بما تركه باراك أوباما في منطقة يعتبرها الجمهوريون منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة الأميركية وهنا فإن المؤكد أن الرئيس الروسي الذي هناك إجماع على أنه مناور بارع ولاعب سياسي من طراز رفيع قد قرأ كل هذه المستجدات بعيون غير تلك التي قرأ بها تصرفات واداء وسياسات الإدارة السابقة.
وهكذا فإن المؤكد أن المملكة العربية السعودية قد تلقت من موسكو، إن تلميحاً وإن تصريحاً، ما شجعها على أن يقوم ولي ولي العهد بهذه الزيارة التي إذا سارت الأمور في الإتجاه الصحيح فإنها ستكون زيارة تاريخية فعلاً وستؤدي إلى تحولات «إستراتيجية» ليس بالنسبة للأزمة السورية فقط وإنما بالنسبة لكل الأمور العالقة في الشرق الأوسط كله.. ولعل أسوأ هذه الأمور هو ما تقوم به إيران من إشكالات ومشاكل في سورية وفي العراق وفي اليمن وفي لبنان وفي الوضع الفلسطيني حيث تشير المعلومات إلى أن حركة «حماس» قد حسمت أمورها نهائياًّ وأصبحت أحد الأرقام الرئيسية في معادلة المنظومة الإيرانية العسكرية والسياسية.. وكل شيء.
إن المعروف أن السياسة هي :»فن الممكن» ويقيناً أن الرئيس فلاديمير بوتين، الذي عايش وعاش كل التقلبات التي أعقبت إنهيار الإتحاد السوفياتي إنْ في بلاده وإنْ في أوروبا الشرقية والدول المتخامة والمجاورة كلها ومن بينها الدول الشرق أوسطية، يعرف أن إضاعة لحظة تاريخية سانحة ستترتب عليها خسائر «إستراتيجية» كثيرة ولذلك فإن الواضح أنه لن يفوت هذه الفرصة الجديدة وبخاصة وأن الرهان على نظام بشار الأسد قد أصبح رهانا على حصان خاسر وأن إستمرار الإرتباط بالإيرانيين بهذه الطريقة المكلفة ستكون عواقبه وخيمة وبخاصة وأنَّ الرئيس دونالد ترمب قد أعاد الولايات المتحدة إلى هذه المنطقة من الأبواب الواسعة العريضة.