لم تمح الايام من ذاكراته ذاك الموقف الذي عاشه في طفولته بأواسط الاربعينات يوم وجهت والدته تعليماتها الصارمة له ولأشقاءه وفي ليلة عيد الاضحى بالنوم باكراً قبل ان يحضر اخوالهم لإعطائهم العيدية ، وحتى لو استيقظوا عليهم التصنع بأنهم نيام !، كان من الطبيعي ان يسأل والدته عن السبب ليستمع لردها المفاجيء : « علشان اخوالكم ما يحسوش بحالتنا ويشوفوا هدومكم القديمة « ، رغم ان هذه الحادثة حرمته من العيدية التي كان يحلم بها كل طفل فقير وأدت لأن يغادر اخواله المنزل غاضبين جراء هذا التصرف من شقيقتهم ، الا ان هذا الموقف زرع في نفسه معنى قيمة عزة النفس للانسان ، لتصبح هذه القيمة عنوان حياة الفنان ابراهيم عبد الشفيع الذي ظل محط اعجاب اهالي اسكندرية و لسنوات طويلة ، وكان لهذا الحب سره و ألقه فهو من عبَّر عن روح واجواء الحياة الشعبية في الاسكندرية باغانيه والحانه واحياءه للافراح والاعراس في احياء وحارات المدينة ومواقفه الانسانية التي ظلت خالدة في نفوس محبيه والى الان.
« حي باكوس..»
الكتابة عن ابراهيم عبد الشفيع ضمن سلسلة « المنسي في الغناء العربي « تأجلت لأكثر من مرة ، ولم اكن ادري ان القدر يخبيء لي فرصة الالتقاء به شخصيا في الاسكندرية مدينة الفن والجمال وفي « حي باكوس « العريق الذي عاش به منذ سنوات طفولته الاولى والى الان ، ارتأيت ان اتوجه لهذا الحي بواسطة « الترامواي « القديم لأتعايش مع عبق اجواء الأحياء الشعبية القديمة قبل ان ابدأ الحوار معه ، كان موعدي معه في الثانية و النصف عصراً في مقهى سليمان كمال المطل على سكة الحديد ، باطلالته كان يبدو اصغر من سنه بكثير رغم انه قد قارب الثمانين من العمر ، مع شاي الضيافة الساخن و المعطر بنكهة حواري الإسكندرية الأصيلة ،بدأنا الحوار عن مسيرته الطويلة ومنذ لحظة ولادته في حي غربال بالاسكندرية عام 1936 ، في سنواته الاولى عاش في بيت جده لابيه « ابراهيم « وتم تسميته بهذا الاسم تيمنا بجده الذي كان ثريا يغدق عليهم من الأموال والنعم الكثير ، مع وفاة الجد ضاق الحال بوالد ابراهيم مما اضطره للإنتقال والسكن في «حي باكوس» ليتغير حال الأسرة من الغنى والثراء الى الفقر المدقع الذي الزم ابراهيم بترك المدرسة لصعوبة تأمين المصاريف ،ومع اعتكاف» ابوابراهيم « في البيت دون عمل لسنوات عديدة ، اخذت الوالدة تبيع صيغتها شيئا ف شيئا لتصرف على الابناء حتى نفذ هذا كله وازدادت الخلافات بين والديه ،وبدأ ابراهيم يتعرض للضرب المبرح من والده الى ان جاءت تلك اللحظة الفاصلة عندما توجه لوالده متسائلاً « بابا ..انت ليه بتضربني !» ، لم يحتمل والده هذه الجرأة البريئة وقرر طرده من البيت ليبدأ مواجهة الحياة لوحده واضعا نصب عينيه مبدأ عزة النفس الذي تعلمه من امه كما اسلفنا .
اثناء الحديث قدم لي ابراهيم عبد الشفيع مع اهداء كتاب يتضمن سيرته الذاتية ومحطات هامة من حياته بعنوان « حكاية عاشق الاسكندرية « للباحث عبدالله عبد الصبور ، وانضم الى جلستنا مجموعة من اصدقاء عمره منهم المستشار الاعلامي د . ابراهيم عبدالله و عم خميس واخرون من جيرانه ومحبيه ليتابع ابراهيم عبد الشفيع حديثه عن بداياته مع الغناء والموسيقى من خلال التحاقه بفرقة مزيكة « حسب الله « التي اشتهرت بإحياء الافراح و الاعراس وكان ذلك عام 1947، وطاف معهم بالعديد من القرى و الارياف وكان يتقاضى وقتها خمسة قروش عن الفرح الواحد ، ثم انضم لفرقة حسين عبد الغني الشهير بحسونة وكان اعضاء الفرقة يلبسون البدلات كشرط للالتحاق بفرقة حسونه مما اضطر ابراهيم ان يستعير بدلة احد اصدقاءه بهدف ان يعود اخر الليل ببضعة قروش يقدمها لوالدته ليخفف عنها اعباء الحياة وتكاليفها.
«شهادة موسيقار الأجيال..»
«لما تقول اسكندرية .. تبقى انت رايح لابراهيم عبد الشفيع .. ولما تقول ابراهيم عبد الشفيع .. تبقى انت رايح اسكندرية ! « ،كانت هذه شهادة موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب بصوت ابراهيم عبد الشفيع في الحفل الذي اقيم على مسرح الجمهورية احتفالا بعيد ميلاد موسيقار الأجيال وقبل وفاته بسنتين بحضور عبد الشفيع،وهذا ما يلمسه المستمع فبمجرد الاستماع لصوته يأخذك لعالم الاسكندرية وجمالها الأخاذ بألحان سلسة و كلمات بسيطة كانت السمة الغالبة على معظم أغانيه، ولنتأمل ذلك في كلمات اغنية حكاية عاشق « اول دخولنا الجنينة تنهد الياسمين .. والتمر حنه اشتكى .. والورد قال دا مين .. والفل قال افتحوا للعاشق المسكين « و « اختم بالعشرة واقول ..واقول للي عادوك ..ما جابت الدنيا زيك .. ولافيش ابدا اخوك « و» ايوه ياخال .. هوه يا خال .. ابو خد وردي .. ورموش كحال .. ولما صادفني شفته وشافني ..بدل حياتي من حال لحال « و « احكيلي وسمعني دا كلامك شربات .. اشجيني ومتعني بحلاوة النغمات .. حبيت فيك احساسك لأهلك و ناسك .. ما هو انت اصل اساسك .. حتة حلويات « واغاني اخرى مثل ، « عيون سواحلية « ، « بنت رشيد « ، « يا عين صلي ع النبي « ، « اسمر «، « طول عمري ببيع ياسمين « ، « ع العاشقين « ، « والنبي يا جنايني « ، « بلد الجمال « .
اعاد من اغاني محمد عبد المطلب « يا حاسدين الناس « و « ميعاد حبيبي « وقدمهما باحساسه دون ان يقلد عبد المطلب ، من اغاني الاعراس التي اشتهر بها « الناس الجد « و « ادينا سلام « ومن اغانيه الوطنية « عروس الشرق « ، « اصحى يا نايم « و عبّر بألحان شجيه عن حبه لاسكندرية بأغاني مثل « احلى الأماني يا اسكندرية « و « اسكندرية يا ست الكل «.
« الحان ..»
لحن لأشهر المطربين امثال كارم محمود وغنى له « شال الحليوة « ، محمد العزبي « اليوم الجديد « ، عايدة الشاعر « زفة فرح « ، ليلى نظمي « الهي وانت جاهي « ، ايمان الطوخي « يا حمام البرج يا طاير « ، احمد سامي « جمال الصبح «، ماهر العطار « الاخ الاكبر « ، محمد رشدي « سألوني يا مصر « ، وخص نفسه بمجموعة اغنيات من الحانه منها « بياع الورد « و « صورني الحلوة معايا « و « حكاية بحار « و « غني يا حمام « و « مسحراتي اسكندرية « و « اجمل حكاياتك انا «
غنى ابراهيم عبد الشفيع للعديد من الملحنين في مصر امثال محمود الشريف و عبد العزيز محمود و فؤاد حلمي ومحمد عمر و محمود مندور و جلال حرب و محمد غنيم و فتحي جنيد و كانت هذه الاعمال لشعراء اغاني مرموقين امثال عبد الرحيم منصور وعبد الفتاح مصطفى و فتحي قورة و حسيب غباشي ومصطفى الشندويلي واحمد ملوخية وعبد المنعم كاسب .
وشارك بالغناء في مجموعة من المسلسلات الاذاعية التي اشتهرت بها الاذاعات المصرية ومنها مسلسل « قهوة الاربعين « والبرنامج الاذاعي الارشادي « اصحى يا نايم « وشارك بالحانه وغناءه في مسلسلات وتمثيليات اذاعية اخرى منها « عشاق الأمل « و « الأتوبيس و اليويو « ، « الاسطى درويش « ، أوبريت « فرح بلدي « ، « علي عليوة « ، « جواهر « « موال السمك « ، « سهرة الغول « ، اشتهر ابراهيم عبد الشفيع بغناء الموال ومنها الموال الجميل « انا معايا قلم كتبت الكلام كله .. وانا في قلبي ألم اد العالم دا كله .. امانة يا نسيم الصباح .. روح للحبيب قوله .. لو كان حبيبك عسل .. ما تخلصوش كله «
« محطات ..»
محطات كثيرة استوقفتني في مسيرته تستحق اطلاع القاريء عليها ومنها كيف ان عبد الشفيع ظل ومنذ نعومة أظفاره يحلم بان يكون مثل مشاهير الموسيقى والغناء أمثال محمد عبد الوهاب ومحمد فوزي لذا كثيرا ما كان يقف امام فيلا الموسيقار محمود الشريف في «حي باكوس» وكان يسير وراءه متتبعا خطواته دون ان يدري، ومع الوقت تعرف على «محمد» شقيق الموسيقار وصارحه بانه يرغب بالتعرف على محمود الشريف واجابه بأن يذهب اليه في القاهرة ويبلغه فقط انه من طرف شقيقه محمد ، وبناء عليه توجه ابراهيم عبد الشفيع بالقطار وفي يوم حار جدا وكان ذلك عام 1950 لملاقاة الموسيقار في القاهرة اّملا بأن يأخذ فرصته التي كان يحلم بها بأن يصبح مطربا مشهورا ، عند وصوله القاهره ذهب لملاقاة محمود الشريف في نقابة الموسيقين واستقبله الشريف بكل حفاوة وقدم له ضيافة زجاجة كوكا كولا ، حينها بادره ابراهيم قائلا « انا جاي من طرف اخوك محمد « ،وفوجيء بالشريف يتقدم نحوه غاضبا مزمجرا وسحب زجاجة الكوكولا من يده موجها ايه اقذع الشتائم ليخرج ابراهيم من عنده مطرودا و مستغربا في نفس الوقت من هذا الانقلاب المفاجيء ! ، بعد سنوات بدأ ابراهيم يغني من الحان محمود الشريف مما اضطره لسؤاله عن سر موقفه الغريب اّنذاك ليجيبه الشريف بأن اخيه محمد كان قاسياً عليه و اساء اليه كثيرا لدرجة انه لم يعد يحتمل اي شخص من طرفه !.
ومن المواقف الانسانية التي مر بها عندما أصيب بشلل نصفي بالوجه وانتشر الخبر في عموم الإسكندرية وبدأ يتوافد الى منزله الأصدقاء والمحبين بالمئات وبعد خروجه من المستشفى علم ان مدير الاذاعة وقتها ان حافظ عبد الوهاب الذي اكتشف عبد الحليم حافظ في المستشفى ومع انه كان بينهما خلافا استمر لعدة سنوات بعد المشكلة التي وقع بها عبد الشفيع وتم ايقافه عن الغناء في اذاعة الاسكندرية كما ذكرنا مما ادى لأن يقاطعه حافظ عبد الوهاب ، الا انه وبمجرد زيارته له في المستشفى عادت المياه لمجاريها واعاده حافظ للغناء في الاذاعة من جديد وبعد انقطاع طويل .
« عكس التيار ..»
كان ابراهيم عبد الشفيع واضحا مع نفسه ويحمل نفسه جزءا من المسؤولية لعدم حصوله على النجومية التي يستحقها ويعزو هذه الاسباب بالإضافة لفصله من الإذاعة وعودته لنقطة الصفر بالغناء في الافراح من جديد، انه وزع وقته بين الغناء والعمل السياسي والنقابي ، فلقد ترشح لمجلس النواب مرتين ولم يحالفه الحظ وحصل على عضوية مجلس ادارة المهن الموسيقية و عضوية معهد الموسيقى العربية وعضو جمعية المؤلفين والملحنين ومنصب وكيل نقابة الموسيقيين وعضو لجنة الاستماع بالإذاعة وهذه تحتاج بطبيعة الحال لتفرغ و جهد ينعكس سلبيا على مسيرة و أداء الفنان .
اما من الاسباب الأخرى والتي يعتبر انه قد عاكسه التيار ووقع عليه الظلم ان الالحان التي قدمها لاشهر المطربين المصريين لم يتم تسجيل اغلبها في التلفزيون ليطلع عليها المشاهد خاصة اننا اصبحنا في عصر الصورة التي أخذت تطغي على الكلمة وبنفس الوقت نادرا ما نسمعها في الاذاعة ، يبقى التيار المعاكس الاّخر والذي تجسد بالأزمة التي عاناها أغلب مطربي و مطربات الأسكندرية ، ان العديد من هؤلاء الفنانين ظلت شهرتهم محصورة داخل الاسكندرية وهي اشكالية تطرقنا لها سابقا ويعود سبب ذلك ان بث اذاعة الاسكندرية كان محدودا ولم يتجاوز حدود هذه المدينة ،لذا كانت الفرصة المتاحة لأغلبهم فقط بالغناء في الافراح و الموالد و النوادي الليلية وهذه المرحلة قد تفيد المطرب في البدايات ليتعرف عليه الناس ثم ينطلق ،مع ضرورة التنويه ان من مطربي الاسكندرية من اتيحت لهم الفرصة للشهرة وعلى مجال واسع امثال بدرية السيد التي عرض عليها بليغ حمدي بان يلحن لها وكذلك سيد مكاوي و عمار الشريعي شريطة الاقامة في القاهرة ، الا انها رفضت لارتباطها باسرتها وينطبق ذلك على اخرين لنفس السبب او لارتباطهم الوظيفي او لارتباطهم العاطفي بمدينتهم وهذا ما جعل ابراهيم عبد الشفيع يعود أدراجه ليستقر نهائيا في الاسكندرية بعد ان قدم العديد من الحفلات والاعمال الاذاعية في القاهرة .
من الأخطاء التي وقع بها أيضاً انه ورغم غناءه لملحنين مشهورين امثال محمود الشريف و عبد العظيم محمد و عبد العزيز محمود ، الا انها كانت أعمال قليلة وكان الأفضل لو تكررت مثل هذه التجارب ،وهذا بدوره ينطبق على ندرة تعاونه مع شعراء اغاني متميزين امثال عبد الرحيم منصور و عبد الفتاح مصطفى ، و كذلك الأمر وبرغم جمال صوته الا انه ظل محصوراً بلون الغناء الشعبي ونادرا ما كان ينوِّع في أغانيه وعندما غنى اللون العاطفي لم يكن بمستوى اداءه في الأغاني الشعبية وهذا ما نلاحظه عندما قدم اغنيته الرومانسية « احلى فكرة « .
«شارع الفنان ابراهيم عبد الشفيع »
يعتبر ابراهيم عبد الشفيع امد الله في عمره من الفنانين القلائل الذين تم تكريمهم في حياتهم وتم تسمية شارع في الاسكندرية باسمه « شارع الفنان ابراهيم عبد الشفيع» واحتفظ بصورة لهذا الشارع اهداني اياها اثناء اللقاء الذي جمعنا وتحدث وقتها اصدقاءه المشاركون بالحوار كيف تسارعوا يومها لتعليق اليافطة بإيديهم تعبيرا عن حبهم وتقديرهم له ، وحظي ايضاً بتكريم مؤسسات ثقافية عديدة.
وسعدنا بتكريمه في الامسية التي شاركنا بها في معرض مكتبة الاسكندرية الثالث عشر 2017 وكانت تحمل عنوان «البحث الذي اعمل عليه» «المنسي في الغناء العربي» الذي تتبناه صحيفة الرأي الاردنية واقيمت هذه الامسية برعاية «مؤسسة سلوى علوان الثقافية» وشارك بها المايسترو محمود ابوزيد والفنان ابراهيم الملاح والفنان هشام عبد العزيز محمود و قدمت الاعلامية والكاتبة سلوى علوان وبإسم المؤسسة درع التكريم للفنان ابراهيم عبد الشفيع عرفانا و تقديرا لدوره المتميز في الساحة الغنائية.
عابر سبيل
ومن اللحظات الجميلة التي لن انساها بهذه الأمسية عندما وقف المايسترو محمود ابوزيد على المسرح واخذ يغني المقطع الأول من اغنية « شي الله يا مرسي يابو العباس .. مدد يا سيدي القباري.. الله يصونك يا بلدنا .. يا غالية وترابك غالي ..» التي اشتهر بها ابراهيم عبد الشفيع الذي دب فيه الحماس واخذ الميكروفون من المايسترو ابوزيد ليتابع الأغنية بصوته حتى النهاية وسط تصفيق وتهليل جمهور الحاضرين متغنيا بكل إحياء الاسكندرية « كرموز والحضرة ودربالة .. غريب وابو قير والسيالة .. رجاله واجدع رجاله ..» .ومع نهاية هذه الأمسية ظل يدفعني الفضول لسؤال ابراهيم عبد الشفيع عن الحكمة و الفلسفة التي خرج بها من هذه الرحلة الطويلة ، الا اني وجدت الجواب المنشود في اغنيته والتي كانت المقدمه الغنائية للمسلسل الاذاعي الشهير» عابر سبيل « وبها يختصر مشواره بهذه الكلمات المؤثرة :
« يا قطر يا مسافر ايه اّخرة الرحلة في طريق الليل ؟
والرحلة ليل غاشي على عابر سبيل
والحلم لو طوِّل يطول السبيل
عابر سبيل والرحلة جنة ونار واخداني مشوار ورا مشوار
والقطر يجري.. تجري ايام عمري :
قدام عيوني قدم الشجر يمشي
واشوف بعيني النجم كاس الدار ..!» .