كتاب

حدود حرية الصحافة

ثمة قوانين وأخلاقيات ومواثيق شرف تضبط العمل في مهنة الصحافة وتكفل حرية التعبير، وتكبح الاعتداء على حرمات المجتمع وخصوصيات الافراد، وخلال السنوات الاخيرة فتح فضاء الانترنت والصحافة الالكترونية، الأبواب لدخول أعداد كبيرة بلاط ما توصف ب»صاحبة الجلالة « او السلطة الرابعة، الامر الذي فرض معطيات جديدة يتطلب مواكبتها في التشريعات.

تعرضت يوم الخميس الماضي الى أغرب موقف بعد نحو 34 عاما، من العمل الصحفي المتواصل، كتبت خلالها مواد صحفية يصعب حصرها، بين الاخبار والتحقيقات والتقارير الصحافية والمقالات، وتحرير الاخبار في المطبخ الصحفي، في نحو 8 صحف ومجلات ورقية داخل الاردن وخارجه، واعداد برامج وكتابة نصوص تلفزيونية وتأليف كتابين، فضلا عن رئاسة تحرير موقع الكتروني، وخلال هذه الرحلة تعاملت مع آلاف الوزراء والمسؤولين والنواب والاعيان السابقين والحاليين!

ذهبت لاصدار «البطاقة الذكية»، أنهيت الخطوات الاساسية.. تقديم الطلب وأخد بصمات العيون والاصابع والتقاط الصورة الشخصية، وطلب مني الموظف العودة في اليوم التالي لتسلم البطاقة، وعدت يوم الخميس ووقفت بالطابور مثل عشرات الاشخاص، الذين بدا عليهم الضيق من الوقت الطويل الذي يضيع للحصول على البطاقة، وكانت حشود أخرى في القاعة الواسعة ينتظرون انجاز معاملاتهم.

والصحفي قد يجد مادة جديرة بالنشر، في ما يواجهه خلال تحركاته اليومية، من أحداث وفعاليات لها انعكاس على حياة المواطنين، ودائرة الاحوال المدنية ليست استثناء، خاصة فيما يتعلق باجراءات اصدار «البطاقة الذكية « التي تشغل الدولة والمجتمع، وتتصدر أحاديث الناس منذ اسابيع، وعلى ذلك التقطت صورتين بالموبايل لمشهد تزاحم المراجعين في القاعة الواسعة، وبعد دقائق فوجئت بضابط أمن يطلب مني مرافقته الى مكتب قريب، وسألني بحضور رجلي أمن آخرين: ماذا صورت؟ فأجابته بأنني صحفي وهذا جزء من اهتمامي المهني، فقال :هل لديك تصريح ؟، فقلت انني أحمل بطاقة عضوية نقابة الصحفيين، وان دائرة الاحوال المدنية تقدم خدمة عامة، وكل شيء مفتوح ولا يوجد اسرار، ومن حق الصحفي أن يغطي ويصور ويكتب عن هذا النشاط.

وفتحت له الموبايل لكي يشاهد الصورة، لكن اهتمام الضابط كان تركز في اتجاه آخر ربما بحكم وظيفته. ووضع أمامي فرضية احتمال إرسال الصورة الى جهات أخرى ! وألمح الى الظروف الاقليمية وبشكل غير مباشر الى خطر «الارهاب»، ووجدتني في وضع» المشتبه» بارتكاب مخالفة جسيمة للقانون! ولم أفهم كيف يمكن أن توظف مثل هذه الصورة لخدمة الارهاب والاضرار بالامن الوطني، مع ان الصورة تتعلق بعمل دائرة خدمية، ولا تختلف عن صور الطوابير في محطات المحروقات والمخابز في الازمات او الظروف الجوية القاسية! فليس في الامر أسرار تتعلق بالامن الوطني في عالم الفضاءات المفتوحة!

بدأ الضابط بالكتابة على ورقة، ولم أفهم الاجراء الذي كان ينوي فعله، فقلت له دعني أحضر بطاقة نقابة الصحفيين من السيارة، لكي يتأكد من هويتي الصحفية، وتركت الموبايل عنده لكي يطمئن، جئت بالبطاقة فوجدت شخصا بانتظاري على الباب الرئيسي، أخذ البطاقة وطلب مني مرافقته.. دخلنا في مصعد دون أن أعرف الي أين نحن ذاهبون، ولحسن الحظ وجدت نفسي في مكتب مدير عام الاحوال المدنية، عطوفة فواز الشهوان الذي استقبلني ورحب بي وباركت له تعيينه بهذا الموقع، وسأل الضابط: ما المشكلة في الصورة، لا يوجد أسرار؟ واعتذر لي عما حدث، وقال: لك أن تنشر ما تريد، ومكتبي مفتوح في أي وقت للحصول على أي معلومة، ودار بيننا حوار حول معطيات إصدار البطاقات الذكية، وعن أفكار عديدة يعمل على تنفيذها لتطوير العمل، وكانت مناسبة طيبة لي للتعرف على مسؤول يستحق التحية، ويتحلى بقدر عال من المسؤولية.. يحترم الصحافة ويقدر دورها.

هذه حادثة تعني الصحافة الاردنية، وأدعو الزملاء في مجلس نقابة الصحفيين الجديد، للتواصل مع الجهات المعنية، لازالة أي فهم خاطئ بشأن حدود حرية الصحافة، والضوابط التشريعية المتعلقة بذلك.

Theban100@gmail.com