عدد الاردنيين المنصمين إلى صفوف داعش التي تخوض حرباً بلا هوادة ضد البشر والحجر في العراق وسوريا ومناطق أخرى متفرّقة كان صادماً, بعيدا عن دقة العدد ان كان بالمئات ام بالالاف. فهؤلاء فقط هم من نجحوا بالوصول إلى ميادين الوغى ولنا أن نتخيّل أضعافهم ممّن لم تساعدهم الظروف أومجرّد المحاولة، ولنخمّن أعداد المؤيدين لفرق التّكفير والموت على بلد لا يتعدى مواطنوه السّبعة ملايين نسمة، ونسبة التّعليم به من أعلى النّسب، ويعيشون في بلد لم يعرف المطاردة والتّعذيب والاختفاء القسريّ أو الاستبداد والقهر السياسيّ بالمُجمل.
إنّ أول ما يشير إليه هذا العدد (.... ) أنّ استراتيجية الحرب على الإرهاب لم تعطِ ثمارها المرجوّة فقد كنا نتحدّث عن بضع مئات فإذا هم الشّباب بالآلاف، هذه الحقيقة المرّة يجب أن توضع أمام الدّولة والمسؤولين ومنظمات المجتمع المدنيّ أصحاب الاختصاص على طاولة التّشريح وتحت مجهر البحث والتساؤل... لماذا كل هذا العدد؟! كم منهم سيعودون يوماً ما إلى الأردن؟! كم منهم يحاول الاتصال بالآخرين لاستقطابهم وجرّهم إلى لعبة الموت في العراق وسوريا وربّما ليبيا ونيجيريا ومالطا لإقامة الدّين هناك.
حذّر الكثيرون من الوصول إلى هذا (... ) من المضللة عقولهم والمختوم على قلوبهم وبصرهم، والذين يرفعون شعار الجهاد في كل السّاحات باستثناء ساحة المسجد الأقصى، فدخول الجنّة أصبح أسهل بكثير من تحرير فلسطين فبكبسة زر يستطيع الداعشيّ أن يودي بالعشرات من الأطفال والنساء والمدنيين ويصعد إلى الجنّة لملاقاة الحور العين.
نتحدّث عن استراتيجية وخطة لمحاربة التطرّف وخطاب الكراهية... ولكن الأعداد تتزايد رغم اكتوائنا بنار داعش وبوادر غدرهم وكيدهم في البقعة وإربد والكرك. لن تخترع الترياق لهذا السّرطان المستشريّ وليس لنا إلا أن نذكّر بأنّ محاربة التطرّف والإرهاب التي يدعو لها ملك البلاد لا تكون بحمل العصا من وسطها سيّما أمام حقائق مفجعة تضرب استقرار الوطن وتشوه صورة الدّين وتعطل التعايش الإنسانيّ والحضاريّ إنّنا ندعو للأخذ بزمام مبادرة مجلجلة تقلب طاولة التّنظير والمجاملة والخوف والبدء بتنفيذ مضمون الخطط والاستراتيجيات الموضوعة لمكافحة التطرّف والتّكفير والإرهاب بدلاً من التّعامل الخجول والموارب كما هو الحال مع تعديل المناهج، وما رافق ذلك من إقدام وتراجع وتشذيب الخطاب الدينيّ لدى خطباء المساجد والحد من ترويج الخرافة ومراقبة بعض الداعيين والمبشرين في المدارس بدولة الخلافة ؟!!
آن الأوان لننشئ جيلاً متحرّراً من ثقافة تزكية النّفس وتميزها الكاذب وتكفير وتجريم الآخرين وإخضاعهم والانتقال إلى ثقافة التّواصل والاقناع واحترام الآخر والانصراف إلى البحث العلميّ والتّيقن من أنّ صيانة الطائرة قبل الرّحلة أفضل من الاكتفاء بتلاوة دعاء السّفر، وبدلاً من التوكل ثم التوكل أن نعقل ونتوكل... هذه سنة رسول الهدى. إن ثقافة الفصام والعجز والانغلاق والتخلف والكراهية الطارئة وغياب الشّجاعة في مواجهتها هي التي أوصلتنا إلى هذا الرقم وهذا الدّرك.