كتاب

طبول الحرب شرقاً في اوكرانيا. لماذا؟

لقد انضمت اوكرانيا للاتحاد السوفييتي عام 1923 بقيادة الفدرالية الروسية طوعاً، وخرجت منه ومع انهياره عام 1991 بنفس الطريقة، وعاشت في منتصف الثلاثينات وتحديداً عامي 1932/1933 حياة المجاعة السوفييتية الواحدة التي اطلق عليها انذاك Golodomor وفي الحربين العالميتين الأولى 1914/1918، والثانية 1939/1945 كانت اوكرانيا سوفيتية، وفي عمق التاريخ أي عام 1795 التحمت مع الجغرافيا الروسية، ولم تر نور الاستقلال السياسي والسيادي إلا عام 1991، وسياسياً تقلبت اوكرانيا وكذلك الأمر اقتصادياً وبقيت إلى فترة ما قبل الرئيس الانقلابي (البنديري) بيترو باراشينكا عام 1914 مرتبطة ببوصلة سياسية (موسكو)، وبالغاز الروسي أيضاً.

وبسبب عدم قدرة الرئيس السابق فيكتور يونوكوفيج من اثبات نفسه زعيماً لأوكرانيا وهو المعروف بموالاته لروسيا وبأصوله الشرق اوكرانية (الدونباسية)، وبحكم مماحكاته مع المعارضة الشرسة (يوليا تيماشينكا) زعيمة حزبي (كل الاوكرانيين)، و(الوطن الام)، ومحركة الثورة البرتقالية، ولرفضه توقيع اتفاق التعاون مع الاتحاد الاوروبي أو لعدم اعطائه فرصة للذهاب للتوقيع ذاك، ولكونه لم يستطيع ان يصمد بوجه احتجاجات التيار (البنديري) المتطرف والمحسوب على جذور الحرب الوطنية العظمى الثانية، ورغم الاسناد والدعم السياسي والعسكري والأمني الذي قدمته له (موسكو)، وتماماً لو قارنّا الأمر بصمود الرئيس بشار الأسد أمام هجمات الارهاب والطامعين بكرسيه الرئاسي (ان صح التعبير، رغم اختلافي مع نهجه الجمهوري) من قبل المعارضة الوطنية المسلحة ومساندوها من العرب والعجم بعيداً عن صناديق الاقتراع، فتح المجال امام إدارة الظهر سياسياً واقتصادياً لروسيا، وتم خُسران اقليم القرم/ الكريم الذي سمح الاتحاد السوفييتي وبعد ذلك روسيا الاحتفاظ به في الإطار الاوكراني قبل فصله قانوناً بعد ذلك نظراً لأهمية الاسطول الاسود فيه وموقعة الاستراتيجي عام 2014.

ومنذ الانقلاب غير الشرعي في (كييف) والذي دفع بوزير الاقتصاد ووزير الخارجية السابق الملياردير (بيترو باراشينكا) الملقب (بملك الشوكولاته)، والمعروف بعلاقاته التجارية الوطيدة مع روسيا (وبحجم 450 الف طن سنوياً من هذه المادة موجه للسوق الروسي وإلى اوروبا)، والفائز بفارق 13% من اصوات صناديق الاقتراع الرئاسية بتاريخ 25 أيار 2014 إلى سدة الحكم، والعيون الاوكرانية السياسية الغربية تحدق صوب اوكرانيا الشرقية الرافضة للانقلاب والموالية لموسكو ذات الوقت بحكم العمق الجغرافي والديمغرافي، والصلات اللغوية، حيث تسود في شرقهم اللغة الروسية وتمتزج مع باللغة الاوكرانية في المناطق الحدودية، ولديهم رغبة بعدم المساس بحياتهم وبإنتاجهم وبلغتهم، وبكرامتهم، ويطمحون لحكم ذاتي اوكراني، ولديهم جاهزية الانفصال اذا ما واصلت (كييف) الضغط سياسياً وامنياً وعسكرياً عليهم، ويعيش شرقاً في (دونيتسك، وخاركوف، ولوغانسك، وزايوريزية، ودنبيبروييتروفسك) اكثر من 14 مليون نسمه، وتتركز الصناعات الثقيلة الاوكرانية في حوض دونيتسك (الدوبناس) شرقاً الذي يحتوي على رواسب غنية من الفحم الحجري والحديد الخام، إلى جانب النفط والملح والغاز الطبيعي، وفي المقابل فإن سكان اوكرانيا الشرقية الآن ومنذ التحرش بحياتهم وبرغيف خبزهم من طرف ساسة (كييف)، وتجار الحرب الدائرة شرقاً القادمون من جهة الغرب الأوكراني، والمدعومين من جهات خفية من خارج الحدود متابعة ومراقبة أمنياً بكل تأكيد، وأهل الشرق يعانون ويلات الفقر والجوع والرعب والاغتيالات والقصف العشوائي وبالسلاح الثقيل.

ولدي اعتقاد جازم هنا بأن روسيا لا تعترض ولا تقف عائقاً أمام سيادة اوكرانيا الجارة الجنوبية لها، وكل ما تريده منها الآن هو احترام اتفاقية Minsk لعام 2015 التي دعت لوقف اطلاق النار فوراً، ولإطلاق صراح المعتقلين، ولسحب السلاح الثقيل، ولفتح ابواب الحوار بين سلطة (كييف) والمعارضة شرقاً، وهي التي تمت بموافقة وحضور كل من فرنسا، وألمانيا، واكرانيا نفسها، وتكررت إلى Minsk 2، وقدمت أي روسيا ولازالت كميات كبيرة من المساعدات الانسانية بآلاف الاطنان والقوافل لأهالي شرق اوكرانيا المنكوبين، وفتحت لهم معسكرات للعلاج الطبي، واستقطبت إلى داخلها التجمعات السكانية المهاجرة وبحثت لهم عن فرص عمل وصرفت لهم الرواتب الشهرية، والكساء والغذاء وساندت المقاومة الشعبية بهدف الدفاع عن النفس فقط، وقوبلت هذه المعادلة من قبل الجيش والأمن الأوكراني بتنفيذ موجات من الاغتيالات بدأت بالصحفيين والإعلاميين الروس رغم ظهورهم بستراتهم الصحفية وكاميراتهم، وتمثيلهم لأهم القنوات الفضائية الروسية والمواقع الالكترونية مثل (اندريه شيتينين 28/8/2016 وبافل شيرميت 20/July/2016 والصحفي الاوكراني المعارض يوزينا 16/4/2015)، وتواصلت تجاه اغتيال رموز المعارضة الاوكرانية المقاتلة مثل (اليغ انا شينكو)، وإلى تضييق سبل العيش على بسطاء الناس ورواتبهم وتقاعداتهم، وإلى هدم بيوتهم، دون ادنى مرعاه لظروف الاجواء الباردة التي تصل إلى -30 درجة مئوية وهي التي تحيط بهم شتاء، وهو ما تابعته مباشرة بالروسية عبر القنوات الفضائية (NTV, Russia 24, RTR, I، بالعربية عبر روسيا اليوم).

وألفت الانتباه هنا بأن شرق أوكرانيا لا يمكن ضمه بالقوة لغرب اوكرانيا سياسياً، أما جغرافياً فهي وحدة واحدة بالتأكيد ما لم تضغط السياسة في (كييف) من حيث تدري او لا تدري تجاه الانفصال، وهو الذي لا تؤيده حتى موسكو كما اعتقد، وأمام الرئيس الانقلابي المنتخب لاحقاً (بيترو باراشينكا) فرصة الاقتداء برجب طيب أوردوغان ليتجاوز العناد والتمرد ويعود لمصافحة (موسكو) ولقاء الرئيس فلاديمير بوتين الذي يؤمن بالحوار وبأستمرار المفاوضات، ولا يصغي للحرب والعنف؛ فهل سيشهد الوقت المقبل من هذا العام 2017 زيارة دولة من طرف باراشينكا لموسكو لفتح صفحة جديدة في العلاقات الأوكرانية الروسية تؤسس لمستقبل سياسي ثابت واستراتيجي جديد؟

والآن امريكا (ترامب) وعدت العالم بأنها سوف تتغير ولن تشبه حقبة (اوباما)، وبأنها سوف تتفهم ملفات العالم ومنه الأوكراني بشكل افضل بعد دراسة وافية، ولن تزج نفسها في أية حرب باردة مستمرة، ولا بسباق التسلح، ولو انها رفعت شعار (امريكا اولاً)، وسوف تقترب اكثر من روسيا وتفتح باب الاحترام معها ولن تقايض اوكرانيا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً بسوريا كما يشاع اعلامياً؛ فهل ستبقى اوكرانيا (باراشينكا بعد ذلك تراهن على امريكا من نوع (اوباما)، وعلى استمرار امريكا في البحث عن مصالحها وعن قطبها الواحد من وسط الحرب البادرة التي بدأت تحتضر؟ وفي المضي قدماً في مجال سباق التسلح المجنون الذي دفعت البشرية ثمناً باهضاً له حتى الساعة؟ وهل تستطيع المفوضية الاوروبية أن تعمل شيئاً لأوكرانيا غير اغراقها بالديون المليونية وباليورو؟ وهذا ما حصل عندما استدانت اوكرانيا منها مؤخراً 640 مليون دولار، وهل حصول اوكرانيا على التأشيرة الاوروبية لمواطنيها ضمن شروط هو المطلوب امامها الآن؟ ام تشغيل مصانعها غرباً ومعالجة التضخم الذي اصاب عملتها الوطنية (القريفين)؟ هذه وغيرها هي اسئلة كثيرة تقف أمام الشعب الاوكراني ودولته لاختيار البوصلة السياسية المتوازنة التي من شأنها ان تنقذهم من الازمات والاختناقات (السيو- اقتصادية) المتتالية امام مد ديمغرافي متصاعد في وقت غير متوقع فيه ان يقدم الرئيس باراشينكا استقالته طوعاً، وتمنياتي هنا اكيدة لأوكرانيا بالازدهار، وللعلاقات مع روسيا ودول العالم كافة ومنها مع امريكا بالتقدم والثبات.