مجمل امر الايديولوجيا المادية في شتى تجلياتها انها قصور من الرمال تطيح بها امواج الزمان. اذ طالما انها زمنية او تاريخية فهي وقتية مرهونة باسبابها. وهي ان تلبّث العقل في دوائرها الضيقة فهو مرشح لأن يوصف بالجمود او الرجعية, وهذا هو فارق ما بينها وبين الدين, أو هو فارق ما بين ضروراتها وبين حرية الوعي الديني (الذي يمكن ان يوصف بالوعي الكوني, كما هو الامر عند عباس محمود العقاد في كثير من اعماله ولا سيما كتابه: «الله»).
لقد استخدمت الطبقات السائدة ما يسميه «آلان تورين»: «الدين العلماني», سواء أكان اشتراكياً أم رأسمالياً, وكان ذلك مشفوعاً بأوهام «علموية» أو ألوان ظنون تستغشي العلم وتبطن زهواً متنفجاً بالقدرة على الوصول الى حقائق الاشياء او السيطرة على طبائعها.
من اجل ذلك كان لا بد للعقول الذكية والضمائر الحية ان تثور بهذه الرجعية العلموية, ماركسية كانت او ليبرالية متوحشة. وهذا هو, على وجه التقريب, ما قام به المفكر الفرنسي Alain Touraine في كتابه بالغ الدلالة: «نقد الحداثة» الصادر في باريس عام 1992, والذي صدرت طبعته العربية, يترجمه الاستاذ انور مغيث عام 1997, ضمن المشروع القومي للترجمة الذي يشرف عليه في مصر العزيزة المجلس الأعلى للثقافة.
لقد كانت الفكرة المحورية في هذا الكتاب هي «أزمة الحداثة الغربية» في شتى تجلياتها, كما كان للتأمل الذاتي للكاتب الدور الاكبر في تصعيد نقده لوقائع هذه الحداثة الشرسة, بصفة كونه فاعلاً اجتماعياً مهددا «بالتبعية والاغتراب بسبب القوى السائدة التي تحوّله الى ممثل لارادتها».
يقول «آلان تورين» إنه شارك منذ بداية رشده في الاحتجاجات والمظاهرات ضد الحروب الاستعمارية التي خاضتها بلاده, وانه كان يشعر بأخوة حميمة «مع المثقفين والعمال الذين كانوا يرفضون الدكتاتورية الشيوعية في بودابست عام 1956 وفي براغ عام 1968 وفي جدانسك عام 1980» كما يقول انه يرفض تماماً فكرة «الصراع الطبقي» الماركسية التقليدية, وينادي بما يسميه «الحركة الاجتماعية» التي تستدعي «حرية الذات» ضد قوانين التاريخ المزيفة.
وعلى أن الكتاب حافل بتحليل واقع الحداثة على نحو ما قامت بتأثيثه الديانة العلمانية التي حققت فصاماً نكداً بين العقل ومعطياته وبين الذات الانسانية وحقائقها, وعلى ما فيه من واقعية سوداء قد تبعث على التشاؤم, الا ان «آلان تورين» يؤمن بامكان اتحاد العقل والذات في حركة اجتماعية مستبصرة «تحوّل الدفاع الشخصي والثقافي للذات الى فعل جماعي موجه ضد القوى التي تخضع العقل لمصالحها» أو التي تجعل منه عقلاً اداتياً ممتثلاً.
لقد غطت العلمانية الشمولية العالم, مدة قرن أو يزيد, بمعسكرات اعتقال, وبحروب مقدسة (!) وكانت «ديناً وضعياً» ثقيل الوطأة على الانسان, ولئن كان تعاضد العقل والذات هو السبيل الوحيد عند «آلان تورين» لاعادة انسجام الانسان مع واقعه في الغرب التي يسيطر اليوم على العالم, وكان ذلك عنده اشبه شيء بكسر قيود «الدين العلماني» ودفع تحكّماته, فإن بنا نحن العرب والمسلمين ان نؤكد اشتمال الاسلام على فلسفة تجمع بين العقل والذات والروح في عروة وثقى لا تنفصم, وعلى تصوّر بالغ الرحابة لاخوة انسانية لا تظالم فيها, بل تراحم وحميمية ومودّة ويقظة ضمير, وحرية ارادة تدفع الضرورات ولا تخضع لها, وترفض «موت الانسان» الذي ينعق به ضحايا الحداثة الغربية وما بعدها, بعد ان لهجوا زمناً – وساء ما يخرصون – بموت الله الحي القيوم الذي ملك السماوات والارض.. بئس ما ينعقون ويخرصون, وبئس للظالمين بدلا..
لقد كتب آلان تورين «نقد الحداثة» اواخر القرن العشرين, فكانت تلك هي شهادته على العصر بعد أن تبينت الاوهام الايديولوجية العلموية. وانتهت الحداثة الى مأزق خانق. وهي شهادة نقدّرها حق التقدير, ونرى ضرورة أن نفيد منها في عالم العروبة والاسلام, من حيث ما تنبهنا اليه من اولية الكرامة التي يقررها الاسلام للشخصية الانسانية منذ لحظات تكوينها الاولى, دون نظر الى طبقة المرء او لونه أو لسانه, أو من حيث هي – بحسب قول الاستاذ الدكتور محمد عبدالله دراز في كتابه: «دراسات اسلامية» – «سياج من الصيانة والحصانة وظل ظليل ينشره قانون الاسلام على كل فرد من البشر, ذكراً أو انثى, أبيض أو اسود, ضعيفاً أو قوياً, فقيراً أو غنياً, من أي ملة أو نحلة».
ونحن إذ نستشهد هنا بما يقوله الراحل الكبير الدكتور محمد عبدالله دراز عن الكرامة الانسانية, في معرض تعقيبنا على شهادة آلان تورين على الحداثة الغربية اواخر القرن العشرين, فإن هذا يستدعي عندنا الاشارة الى شهادة الدكتور دراز نفسه, في مؤتمر الاديان العالمي المنعقد في باريس عام 1939, والتي يعود فيها بما يسود العالم آنذاك من روح العداوة والشحفاء «الى تحكم (المادية) وازدياد نفوذها في تسيير مجرى الامور العالمية», مؤكداً ان العلاج الوحيد «هو أن نعود الى الروح, فنعيد اليها سلطانها الذي اهملناه في هذا العصر اهمالاً كبيراً».
وما بين العودة الى الذات المتصالحة مع العقل التي ينادي بها «آلان تورين» وبين العودة الى الروح المتصالحة مع العقل نفسه كما يقول العلامة «دراز» الا قيد شعرة, لمن كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد.