تعيش الأمم على مائدة وَحدتها ولا تتنفس إلا من رئة أوطانها المختلط مع غبار تراب الأجداد، وإذا كانت الأجساد تأخذ أنفاسها في الدقيقة مرات عديدة فإنّ الأمة لها أوقاتها الزمنية التي تستلهم منها مادة وجودها واستمرارها، ومن ذلك كانت الديانات الثلاث السماوية لها أيامها في الأسبوع وكانت أمة الأسلام لها أولها وهو الجمعة، غير أنّ هذا اليوم الفضيل يمتد مع الزمن إلى أكثر من يوم واحد ليشمل الأسبوع بأكمله بما يشتمله من أولويات في حياة المسلم، فهو سوقٌ للعطاء وللتجارة وهو ميدان المحبة والألفة، كما أنه الصلاة جامعةٌ للأبدان، فتتنزل من الله، البركات والرحمات، لأنّ اللهَ الذي خلقنا فهو يحبّ لنا أن نجتمع ولا نختلف وأن نتقارب ولا نتباعد وأن نكون عبادَ الله إخوانًا... وكلّ ذلك نجده في يوم الجمعة. كما أنّه منبرُ الحقّ الذي يصدح بحقوق الله على عباده وحقوق العباد فيما بينهم، وأنّ حقّ العبادِ على الله أن يدخلهم الجنة إذا كانوا به راضين وهو عنهم راضٍ. وتأتي خطبة الجمعة في زماننا فيحاولُ البعض التقليل من شأنها، فالبعض يحاول أن يختصرها إلى دقائق معدودة كأنّها حِملٌ نضعه عن أكتافنا وآخرون يريدون من خطيب الجمعة أن يَحلّ ويُحلْحِلَ ويُحلِّلَ أمورَ الأمة من شرقها إلى غربها في (الخمس عشرة دقيقة) وعليه أن يُخرجَ إبرةَ الحلول من كومة قشّ المشكِلات فيحلّها ويحوّلها إلى هشيمٍ تذروه الرياح. والسؤال: هل يمكن لخطبة الجمعة أن تكون أساسًا في بناء المجتمع المتماسك؟ الجواب: نعم. ولكن لا بدّ من الاهتمام بها، فيتوجه الناسُ إليها من بيوتهم بهمّةٍ وعزيمة تاركين وراءَهم كلّ الاهتمامات الجانبية، مُصغين بقلوبهم قبل أسماعهم لخطبة الجمعة، غير منتظرين سوى الرحمة وسَعَة الرزق وحسن الظنّ بالله تعالى، متمنّينَ للخطيب أن يفتح الله عليه كنوز المعرفة، غير مترقبين الأخطاء ولا مزدرينَ أحدًا، فقد ينتابُ البعضَ شعورٌ بالكمال في نفسه ويدخلُه ذلك الشعور إلى اعتبار النقص عند الآخرين فيحبَطَ عملهم وهم لا يشعرون. وهناك بوابة لا يدخلها الكثيرون ممن يذهبون إلى الجمعة ألا وهي: بوابة النصيحة. فإذا أردت أن تكون ناصحًا للمسلمين ومكثرًا سوادَهم فعليك الاهتمام بيوم الجمعة وأنْ تدنو من المنبر على قدر تبكيرك إلى الصلاة، ومن النصيحة التسليم على الناس ومصافحتهم ومجالستهم بعد الصلاة، ومنه السلام على الخطيب وإذا كنت ترى أمرًا ينبغي له النقد فعلى الانفراد. وبالإصغاء إلى الخطبة ونقل ما فيها من تذكيرٍ وعلومٍ إلى خارج المسجد بالمذاكرة، فإنّ ذلك مما يعين على الوصول إلى المكانة التي ينبغي أن تتبوّأها خطبة الجمعة. كما أنّ الصمت عن التندّر بالخطبة والخطيب ذلك من الخير والإيمان خاصّةً وأنّ الطامّة الكبرى التي تكون سبب التندّر هي بتجاوز الدقائق المحدودة والثواني المعدودة التي جاء البعضُ لاستماعها وإنْ تجاوزَها الخطيب فقد اجتاز قنطرة الأعمال والارتباطات عند البعض. ومما نتمنى أنْ يزول ذلك التناوش وتلك الفتن التي يُحدثها البعضُ داخل وخارج المسجد والتي تؤثّر سلبًا على مسار الجمعة نحو تحقيق الهدف المناط بها كما أنها تمنع تقدّم الخطباء نحو تقديم الأفضل، فتلك الترهات والإشكالات التي يراها الخطيب -أحيانًا- تعيق مسارَه الدعويّ، وهو الذي جاء ليكون إحدى حلول المشكلات لا أنْ يقع هو فيها.