بهذه القيم الروحية المقدرة في كل الشرائع السماوية بدأ جلالة الملك خطابه في واشنطن أمام الادارة الامريكية الجديدة وقياداتها، وهي كلمات تنطلق من تعاليم الإسلام الحميدة الذي يأمر بالرحمة والتسامح ويدعو لحفظ كرامة الإنسان: «إن هذه القيم الروحية بما تمثله من مثل عليا مشتركة هي التي جمعتنا اليوم، لأنها أساس كل دين. وسواء صلينا أو ركعنا أو سجدنا في مسجد أو كنيسة أو معبد، أو قمنا بأي عمل خَيِّرِ بتفان، فإننا جميعا مشتركون في الإيمان. للقيم الروحية قوة كبيرة لأنها أكثر من مجرد أفكار ذات وظائف محددة، فهي تعكس المصدر الأسمى للخير فينا». وهي كلمات ذات دلالة سامية في كل شرائع الكون وقد اعطت لهذه الزيارة الملكية رونقا جميلا سيبقى عالقا في الاذهان؛ خاصة أنّ الذهنية الغربية تقدر مثل هذه القيم وتحترم رؤية الملك التي تسبق الجميع في صياغة علاقات دافئة اساسها الاحترام والتقدير والثقة. بحق كانت الزيارة الملكية لواشنطن ناجحة في توقيتها وأطروحاتها ونتائجها وتسليط الضوء على تحديات المنطقة برمتها، والمتابع الحصيف لهذه الزيارة وما رافقها من مقابلات ولقاءات وكلمات وزخم إعلامي يدرك ان الاْردن بقيادة الملك يعرف ان قضايا المنطقة وتحدياتها لا تحتمل التأجيل سواء في سوريا او العراق او فلسطين او تحديات الاٍرهاب وتوابعه المتسارعة وآثارها على المنطقة كلها.
القراءة الأولى للزيارة تؤكد تحولا واضحاً في سياسة الادارة الاميركية الجديدة حيال قضايا المنطقة وتحديدا ايران والاستيطان الإسرائيلي وتبني سياسة جديدة حيال الحرب في سوريا والعراق وكلها تعطي زخما جديدا باتجاه إنهاء هذه الحرب المدمرة التي أتعبت المنطقة والعالم، وأحدثت اختلالات ديمغرافية غير مسبوقة في المنطقة والعالم. واعلان البيت الأبيض أن بناء وحدات استيطانية جديدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو توسعة المستوطنات القائمة ‹قد لا تكون عاملاً مساعداً› لحل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهذا يؤشر على الاحترام الذي يحظى به الملك عبدالله من قبل الادارة الامريكية الجديدة التي ما زالت تنظر لهذا الملف بحذر شديد خاصة ان معظم الإدارات الامريكية السابقة كانت تؤكد على خطورة الاستيطان، فضلا عن قرارات الامم المتحدة التي صوتت لصالح رفض الاستيطان وتغيير البنية الديمغرافية للقدس؛ لأن القدس هي الخط الأحمر الحقيقي بالنسبة للعرب والمسلمين وأنّ الأردن من أشد الدول معارضة لبناء مستوطنات إسرائيلية جديدة فيها أو توسيع القائم منها، ومن يقرأ احاديث الملك في هذا الخصوص في اثناء لقاءاته وحواراته يدرك ان اي مساس في موضوع القدس قد يؤدي الى مزيد من العنف والتطرف، وهو ما لا يرغب به الأردن لانه يتقاطع مع سياسة الحرب على الاٍرهاب التي تتبناها الولايات المتحدة والأردن ومعظم دول العالم. ويعد البيان الذي تبنته الادارة الحديدة حيال بناء المستوطِنات تحولا كبيرا عن التصريحات السابقة التي أطلقها الرئيس الأميركي للدفاع عن بناء المستوطنات الإسرائيلية قبل زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي، مما يعني ان الزيارة الملكية جاءت في توقيتها لكي تشرح الموقف الجاد والموضوعي الذي يتبناه الاْردن حيال قضايا المنطقة برمتها والتي لا تحتمل التغيير السلبي او اي تحول في اتجاه بوصلة الحل الذي يرضي جميع الأطراف.
الاجتماعات التي سبقت لقاء الرئيس مع زعماء الكونجرس وأعضاء في مجلس الشيوخ وكبار المسؤولين ووزير الدفاع جيمس ماتيس تؤكد على أهمية الاْردن في المنطقة كشريك استراتيجي وحقيقي للولايات المتحدة ولاعب اساسي في حل نزعات المنطقة، وهنا لا ننسى تركيز الزيارة على ازمات اللاجئين التي تغص بها المنطقة وتحدياتها الكارثية على اقتصاديات الدول المضيفة والاردن محدود الإمكانيات ويتحمل بسببها عبئا اقتصاديا واجتماعيا هائلا، وهو أكبر مضيف للاجئين في العالم، حيث استقبل ملايين الهاربين من الخطر، من مسلمين ومسيحيين على حد سواء، واحتضنهم بكل إمكاناته وقدم لهم الدعم والملاذ الآمن.
ولا ننسى ونحن نقرأ هذه الدلالات المهمة في خطاب الملك خلال مشاركته في حفل إفطار الدعاء الوطني في واشنطن حين قال:» كقائد، يؤلمني جدا أن أرى كم هي صعبة السنوات القليلة الماضية على شعبي. ولكنني أستمد الهداية والسكينة والقوة من القرآن الكريم، إذ يقول تبارك وتعالى: «فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ، وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَب». وهي دعوة قائمة على الصراحة والجدية في بناء علاقات متوازنة تأخذ في الحسبان ما يعانيه الاردن جراء ازمة اللاجئين وتداعياتها على الاردن وشعبه الابي الذي يحتضن الجميع بالحب والاحترام والقيم النبيلة. لقد جدّد الملك مواقف الأردن وما يؤمن به تجاه ما يدور من أحاديث وآراء حول القضايا الساخنة في المنطقة، وأشار إلى أهمية تعزيز الثقة بين الاردن والولايات المتحدة لترسيخها، وأكّد على القواسم المشتركة التي تجمع بينهما، كما شدّد على أهمية حماية الأردن من التحديات المحيطة به، وهنا ينبغي لنا جميعًا في الأردن أن نقرأ كلام الملك جملة وتفصيلاً لكي نكون كلنا شركاء في البناء والعطاء والمسؤولية تجاه كلّ ما يدور حولنا داخليًا وخارجيًا؛ إذ لا ينفع أن نترك وطننا لفئة قليلة تحسن الاصطياد في الماء العكر وترغب في إشاعة الفوضى في بلد يحتضن الجميع بحبّ واحترام ويعاملهم بسويّة واحدة. وبعد؛ فهذه مواقف ملكية لها وزنها وأهميتها لتجاوز الأوضاع والتحديات السائدة دوليا وأقليميا ومحليا، فهل نعي دلالات هذه الزيارة وما نتج عنها من مواقف كي نؤسس عليها؟