«رائحة اللوز المر» رواية جريئة للكاتب قاسم توفيق، اخترق فيها المحظور وكسر التابوهات الاجتماعية، من خلال علاقة الرّسّام المثقف بالمرأة في مجتمع شرقي يحظر إقامة علاقة كهذه خارج مؤسسة الزواج.
جسّد الروائي كل أشكال القمع الاجتماعي الذي يعاني منه الفرد في العالم العربي، والتي واجهها بطل الرواية الرسام وقاومها، وغاصت الرواية في عالم الحرمان، والصدام مع المجتمع، فالبطل يريد تعويض ما فاته من خلال الانتقام من ماضيه المليء بالعقد النفسية والقمع، فيتمرّد على المجتمع بتحويل مرسمه لمصيدة للنساء.
كان الروائي رغم جرأة الطرح، فكرة ولغة وأحداثاً، صادقاً في رؤيته، فهو يعرّي المجتمع المكبوت والقامع اجتماعياً وفكريّاً، ويعرّي العلاقات التي تقوم على المصالح، ويفضح الفكر المتطرف الرافض للفن.
ومن هنا، فالمنهج السوسيولوجي (الاجتماعي) يتداخل مع المنهج السيكولوجي ( النفسي) في الرواية، وهو الذي يؤلف الإطار الذي يحكم بناء الشخصية الروائية.
قراءة نفسية
في رواية «رائحة الوز المر» نجد أنفسنا أمام قضية يلتقي فيها الأدب بالتحليل النفسي.
وتكمن أهمية التحليل النفسي في خلخلة بعض المسلمات، أي أن هناك أشياء تفكّر بداخل الأنا وتوجه أفعالها. كما إننا عن طريق الأدب نعي إنسانيتنا التي تفكر وتتكلم، ففيه يمكن للإنسان أن يسائل نفسه وقدره الكوني والتاريخي واشتغاله الذهني والاجتماعي.
والقاسم المشترك بين الآداب والتحليل النفسي أن كليهما يسعى إلى قراءة الإنسان في حياته اليومية داخل قدره التاريخي، من أجل بلوغ الحقائق بالحديث عن الإنسان وهو يتحدث.
إن مجتمع هذه الرواية يتصارع بين مَن يريد أن يفرض سلطته، ومَن يريد أن يحطم تلك السلطة. ثمة نمط قائم على أساس ديني، ونمط آخر يمثل أشخاصاً تمرّدوا على الأخلاق والعادات، إذ أنتجت البيئة علاقات متشابكة أدخلت البطل في عوالم الحرمان. يقول السارد في الرواية:
«لقد سعى المجتمع ليغيّر ما بنفسه حتى يغير الله ما أصابهم، فصارت اللحى تطلق، والأغطية والجلابيب تلقى على أجساد النساء، وكثر الدعاة، وصارت المفاهيم السائدة تتخلخل سواء بعلاقات العمل أو التجارة أو الزواج ... عادت الحيوية لحزب التحرير الذي كان مقموعاً من السلطة، وعلّق الإخوان المسلمون اللوحات الدعائية التي تحمل اسمهم بأحجام ضخمة».
وتبدو شخصية الرسام مغلّفة بخفايا داخلية وبواعث نفسيّة لهذا الصراع المعلن، وتطرح أسئلة عدة عن الأسباب الأيديولوجية (من ناحية المجتمع) والنفسية ( من ناحية الرسام) التي ساهمت في حقن الشخصية بالعقد النفسية، وعن سبب تغيّر ردّات فعل النساء، فهناك مَن رضخت لرغبات البطل
وهناك مَن رفضت وتمردت.
والشخصية ذات كثافة سيكولوجية، تستقطب جميع مظاهر الصراع حولها، سواء كان صراعاً داخليّاً أم خارجيّاً. وتتكشف أيديولوجية النص، بالوقوف على مقومات هذه الشخصية وسبر أغوارها، وصولاً إلى سماتها وأفكارها وانفعالاتها.
ويمكّننا تحليل الرواية نفسياً من الوصول إلى خفايا شخصية البطل التي تنطوي على نشاط باطني ولا شعوري، ورغبات مكبوتة: «إنّ الجمال ينبع من ذواتنا، ومن دواخلنا وليس من الأشياء التي نراها، لكن احذروا، فإن ما ينبع من دواخلنا هو انعكاس لهذه الأشياء، ولكن ليس بذات الصورة التي نراها أو التي تطبع في أعيننا».
إنّ الأساس الذي يقسّم عليه فرويد التحليل النفسي هو تقسيم الحياة النفسية إلى ما هو واعٍ وما هو غير واعٍ، ويرتبط مفهوم «الأنا» عنده بالوعي، فالأنا يدرك، يخاف، يقاوم، يخضع، ويمثّل مجمل الشخصية. والجانب المتصارع مع الحياة الجنسية المهددة لحياته، يقوم بمهمة حفظ الذات، ويتحكم بزمام الرغبات الغريزية التي تنبعث من الآخر، فيسمح بإشباع ما يشاء منها ويكبت ما يرى ضرورة كبته.
ولعلّ هذا ما نلاحظه في الرواية حيث نجد صراعاً حادّاً في أعماق شخصية الرسام، نجد صراع الأنا عنده بين رغبته في التمرد على رغبته وكبتها، وبين الخضوع لسلطة الأنا الأعلى، الذي يجبره على الخضوع لرغبته، فيكبت رغبة التمرد ويخضع لرغباته.
يُدخلنا البطل في صراع دائم بين مطالب الفرد ومتطلبات المجتمع، هو صراع بين الغريزة والحضارة، بين الرغبات الجنسية الفردية التي تطلب الإشباع، وبين موانع المجتمع. وإن أكبر حليف للمرض الاجتماعي هو المرض النفسي في بعده اللاواعي، وإن أكبر متواطئ مع الاضطراب الاجتماعي نحو الاضطراب النفسي الذي يصاحبه ويشكّل وجهه الخفي.
وقد ظهر في الرواية بعض العادات الاجتماعية القامعة، وسعت الشخصيات النسائية الى التخلص منها، إذ يخضع المجتمع خضوعاً مازوشيّاً لا واعياً، فالوعي الفردي المتمثل في شخصية «سيماء» قادر على خلق وعي متحرر، يسعى إلى توعية الجماهير الخاضعة، وبالتالي التحول بالمجتمع من حالة الخضوع اللاواعي الى حالة الثورة على القمع.
إن حالات القمع والكبت التي تزخر بها حياة البطل منذ طفولته، واستمرار نظائر هذه الحالات في مرحلة الشباب، دليل على الظلم الاجتماعي وغياب العدل وموت الحرية وقيم الجمال، كما تكشف تلك الحالات من خلال ما توحي به من دلالات (الذنب، والخطيئة، والعيب، والحرام) عن أيديولوجية خاصة بمجتمع معين:
«مدرس الفن سُحر برسمي، حكى عنها في كل الصفوف، وأسمع مدرس الدين الذي طلب مني وبغضب طمس الخطوط التي توحي بشكل الوجه، قال لي وهو يشدني من ياقة قمصي بعنف وزبد فمه يتطاير على وجهي المرتعب من قسوته:
- الرسم حرام.
صرخ بصوت هز أركان المدرسة:
- الله ليس كمثله شيء.
.... لقد أثر فيّ هذا الموقف كثيراً، واحترت في فهم الفعل الصعب الذي أُقدم عليه، والذي جعل مدرس الدين يواصل النظر نحوي بحقد، لم أفهم من أين تملكه كل هذا الحقد».
وينطوي وصف البطل على عملية نفسية من العمليات العقلية اللاشعورية يطلق عليها «الإسقاط» ،وهي عملية يستطيع من خلالها البطل حماية نفسه بإلصاق عيوبه بغيره وبصورة فيها تهويل، ويؤكد هذا الاستخدام استمرار نزعات البطل اللاشعورية وقفزه إلى شعوره، متمثلاً في رغبته الملحة في رفض القهر والظلم.
الراوي المشارك
تجلى حضور الراوي المشارك في الرواية، إذ يكون متضمَّناً في النص الروائي، ووجهة نظره داخلية، وهنا يعتمد ضميرَ المتكلم فيظهر «ملتحماً بالحدث»، كما يكون الحديث منصباً عليه في مجمل فصول الرواية عن طريق الإضاءة وإقناع المتلقي، مستعملاً الراوي المشارك بذلك جميع قدراته في الحكي عن ذاته بموضوعية مزعومة، وعن الآخرين في إبراز أهم شيء يربطهم بالحدث عن طريق بنائهم النفسي والعقلي.
فاستعمال هذا النوع من الرواة لضمير المتكلم (أنا) يضعنا مباشرة في مواجهة الأحداث وهي تتدفق من وعي الذي عايشها، وخاض عمارها، يروي حكايته الخاصة، ويجعلنا نتلقى الأحداث من مصدرها دون أي وساطة، إذ إن ضمير الأنا من أكثر الأصوات المسموعة في السرد:
«كنت واقفاً في مرسمي الذي صار الآن غرفة واسعة مستقلة في شقتي التي أقطنها أنا وزوجتي وحدنا، اشتريناها بعد زواجنا مباشرة، كنا نحلم بأن نصنع عائلة كبيرة».
فالرواية التي تقدَّم لنا من خلال الذات المحورية تتسم بالازدواجية، ومن خلال هذه الازدواجية تقوم بتعرية الذات وانتقادها، والوقوف على عجزها، وهي من جهة أخرى « تنتقد الواقع الذي تعيش فيه تاريخياً وسوسيولوجياً».
علاقة الراوي بالشخصية
تقوم الرواية على تقنية الراوي الشخصية، فالسارد هو الشخصية الأساسية الحاضرة طوال الرواية، بحيث يشعر القارئ بأن الرواية أقرب إلى السيرة الذاتية، إذ لا يوجد فيها بطولة بالمعنى التقليدي، فالشخصية الرئيسية/ السارد إنسان عادي، تأخر الكشف عن اسمه، وبقي الاسم مجهولاً خلافاً لما هو الأمر بالنسبة إلى بقية الشخصيات.
واستخدم الراوي ضميرَ الغائب للتعريف باسم الشخصية: «خالد النجار هو ذاته الإنسان الذي يعرف بعلمه وبتجربة حياته ومع بداية كل نهار كيف يستعمل كل ثواني يومه، يعرف قدر النعمة النعمة التي يتلقاها كل صباح والتي تسمى الحياة. لم يكن فرحه مسألة أن ينتصر أو أن يحقق حلماً، كان يعشق أن يتعلم ويكتشف ويغامر ويكسب أو يخسر، كلها عنده سواء، لكن لا شيء يستحق هدر الوقت، فسرعة الزمان مذهلة، لذا ظل متهيئاً دائماً للتسابق معه، يركض، يتعثّر، يُهزَم، لكنه لا يكفّ عن الركض».
الرسام هو الشخصية المحورية التي تدور في فلكها الشخصيات الأخرى والأحداث، فهو الذي يقوم بعملية السرد، أي هو الراوي لأحداث الرواية، وباقي الشخصيات يجيء وصفها على لسانه، وصفاً خارجياً أو داخلياً.
يقدم الرسام وصفاً دقيقاً لملامح الشخصيات النسائية التي أقام معها علاقة، مبرزاً صورة متكاملة لمظهرها، وإلى جانب البناء الخارجي يحدد الملامح الفسيولوجية للشخصيات، إذ تمكن الرسام بصفته السارد من تلمّس الأوصاف الداخلية لها بناء على قدرته على معرفة ما يدور في ذهن الشخصية وأعماقها:
«جمانا أو جيني كما ينادي عليها رفاقها بالصف، كانت في السنة الأخيرة، وتعد لمشروع التخرج، مشروعها كان مفهوم العدالة الاجتماعية، وكان يجب أن تعده باللغة الإنجليزية، ولما كانت جيني تتقن اللغة الإنجليزية أكثر من أهلها الإنجليز، ولا تفهم ما هو معنى العدالة سوى ما حفظته من فرنسيس بيكون من العقد الاجتماعي، ولم تكن تعرف أو تفكر بأن المجتمع الحقيقي قد يكون شيئاَ مختلفاَ عن المجتمع الذي تعيش فيه، فلم يكن ليشغل بالها أو حياتها أو نشاطها وحركتها كثيراً هذا المشروع، هذا ما فهمتُه من الأستاذ الذي كان يشرف عليها عندما مرت بمكتبه ووجدتُها جالسة هناك».
فالبناء الداخلي يشير إلى الحالات النفسية التي تعيشها الشخصية، ممّا يعني أن الوصف الداخلي هو «تتبع للحالات النفسية، وتغيّرات هذه الحالات بحسب تغيّرات الأوضاع والمواقف الناتجة عن تعاقب الأحداث ومسبباتها».
قاسم توفيق في روايته كلّف البطل بعملية السرد، ليحكي قصته بضمير المتكلم، كون الأحداث تدور حوله، وهذا يعني أنه الراوي، مما يسمح بتصنيفه ضمن (الرؤية مع)، أي أن الراوي هو الشخصية المحورية. وتقدم الشخصية عن وعي ما يجري حولها من وقائع تتعلق بذاتها، لتكون علاقة الراوي بالشخصية علاقة مساواة، حيث يصبح الراوي مشاركاً في أحداث الرواية بتقمصه دور الشخصية الرئيسية.
والبطل وهو يتكلم عن نفسه يدرك ما يجري له، وما يجري حوله من أحداث، فيتكلم عن الآخرين لنرى من خلاله الشخصيات الأخرى، لأنه بطل الرواية والراوي، أي الشخصية التي تدور في فلكها باقي الشخصيات، ولا تكتسب الشخصيات أهميتها في البناء السردي إلا باقتراب البطل منها، إذ لا يمكننا التعرف على شخصية أخرى إلا في إطار علاقتها بالراوي البطل.
فحين أصبح الراوي والبطل شيئاً واحداً نتج عن ذلك الراوي المشارك، مما يعني أن البطل والراوي يمكن أن يلتقيا في التفكير وفي النطق، أي يتماهى الراوي مع البطل في ذلك، وهذا التماهي ساعد في التوغل في أعماق الشخصية، والوقوف على ما أظهره ضمير الأنا من معاناة يعيشها البطل المثقف الفنان من جراء القمع الاجتماعي والنفسي:
«لا تغدو أعمارنا سوى حوادث يدفع لها المرء دفعاً، قد يكون هنالك نوع من التجاذب بين كل منا وبين الحدث بمكوناته؛ التشكيل، والتوقيت وحدوثه، قد يكون هناك شيء من الانجذاب العصي على التفسير، بين الحدث وبين الكائن الذي يعيشه».
إن الرواية عند قاسم توفيق تنمو بطريقتها الخاصة، ويحافظ الكاتب على عناصر الرواية ويحفظها عن طريق التركيز على مجموعة من الأحداث والخطوط العريضة التي تشكّل صلب العمل الروائي، ويعيد الكاتب تلك الأحداث بالتعابير نفسها، ويضيف في كل مرة أحداثاً جديدة، ومن خلال ذلك تنمو القصة وتكبر، ومن هنا نشعر بغزارة الرواية وعمقها، كما نجد أنفسنا أمام عملية تراكم الألفاظ والأحداث والتعابير والمسميات المختلفة، فالرواية في مجملها تعكس أزمة نفسيّة ذات صلة بقضايا ذاتيّة واجتماعيّة وأيديولوجيّة عايشها البطل وعانى منها.