كتاب

الرزاز والعبادي

التّعديل الوزاريّ الذي أجراه دولة الرّئيس المُلقي كمن ألقى بشباكه للمرّة الأخيرة في المياه الرّاكدة لعلّه يفوز بصيدٍ وفيرٍ كما يشتهي ويأمل بتقدمٍ محسوسٍ كما هو مطلوبٌ منه وبالذّات في المجالات الاقتصاديّة والأمنيّة والاجتماعيّة التي تمر بأسوأ مراحلها نتيجة للتّركة الثّقيلة والتّراكمات السّابقة للحكومات السابقة المُكرّرة برؤيتها ورسالتها، والتي بقيت تُرحّل حل الأزمات على طريقة سكّن تسلم، فلم تترك بصماتها سوى على رفع زيادة نسبة البطالة والفقر والمديونية.

ما يُنعش الآمال التي تتضاءل حد التّلاشي ويقرّبنا من نسائم التّفاؤل الحذر، دخول وزيرين من أنصار ثقافة التّنوير والحداثة، وهما يحظيان باحترامٍ كبيرٍ في الأوساط الشعبيّة ومُنظمات المجتمع المدنيّ، فبالرّغم من خسارة وزارة التّربية لوزير ذاعت سمعته في آفاق التّعليم الأردنيّ واستطاع تخليصنا من آفة غش التّوجيهي التي كادت تتكرّس لتصبح جزءا من الثقافة الاجتماعيّة التعليميّة، إلّا أنّ دخول عمر الرّزاز لاقى ترحيباً شعبياً كبيرأً وإن كان دخوله أيّ وزارةٍ أخرى تنسجم مع فكره ورؤيته الإصلاحية أكثر نفعاً وجدوى. فمعركته الأولى هي التّعديلات الإشكالية على منهاج التّعليم التي أصبحت ضرورة ملحّة وعاجلة وتحتاج إلى جهدٍ مضنِ لن يخلو من الاشتباك الفكري الحاد بين أنصار التجديد الرزين المطلوب وبين أنصار مدرسة القديم على قِدمه. نأمل أن يخرج الرّزاز ذو الشخصية المهذّبة المثقفة من هذا العراك سالماً من الجراح.

أما نسمة التّفاؤل الثّانية فكانت بدخول الوزير العلمانيّ ممدوح العبادي الوزارة، فرغم أنّ هناك الكثير ممن يعارض مبدأ العلمانية صراحةً ومناكفةً إلّا أنّ الديمقراطية بالقدر المُتيسّر تتسع لوزير يؤمن بتفعيل مفهوم الدولة المدنيّة وترسيخ مفهوم المواطنة بتشريعات وتطبيقات عملية تؤكد ما نادى بها رأس السلطة السياسيّة، ويستطيع النّقيب والبرلمانيّ والوزير وأمين عمان السّابق والنّاشط في دائرة الحوكمة والشّفافية أن يفعل الكثير إذا استطاع تجاوز الكمائن والحواجز التي سيتم نصبها أمامه في أيّ اختبارٍ قادمٍ.

بالرّغم من الغيوم الدّاكنة التي تخيّم على سمائنا ومن كرات اللّهب التي تسقط على رؤوسنا تباعاً باسم عجز الميزانية، والمديونية، الفقر والبطالة والغلاء، والفساد والتطرّف والإرهاب وتراجع حركة الاستثمار وآخرها تراجع الأردن في مؤشر الحرية الاقتصاديّة، ومع كل ذلك لا بد أن تنسِّم نشقة التّفاؤل وأن نبحث عن الضوء في آخر النّفق.