يرى الدكتور عبدالحميد صبرة، العالم المصري الذي كان استاذاً في جامعة «هارفرد» الاميركية أن تاريخ العلوم عند العرب لم يكتب بعد كتابة شاملة مستغرقة لشتى جوانبه، وأن هذه هي مهمّة العرب انفسهم، وأن عليهم أن يقوموا بها في الوقت الذي يقومون فيه باستدراك ما فاتهم من علوم العصر في مختلف تجلياتها.
لقد كان العرب ظاهرين، أيام ازدهارهم الحضاري، على منجزات الأمم العلمية، وعلى تراثها، فترجموا عن اليونان والفرس والهند، في الحكمة والطب والفلك وغير ذلك، وكانت هذه العلوم قد توقفت عند تلك الأمم فنفح فيها العرب والمسلمون روحاً جديدة، وأضافوا اليها جديدهم وما أبدعوه.
أما، أيامنا هذه، فالعرب بمشهد من ثورات علمية متلاحقة مطلوب منهم أن يفهموا الاصول التي قامت عليها – بما في ذلك تراثهم العلمي – وأن يتابعوا تطوّراتها في الوقت نفسه.
وكثير من أبناء العرب منخرطون في الأبحاث العلمية الغربية المعاصرة، ولهم وجود مشهود في المراكز والجامعات الغربية، ولكن ذلك مردود العائدة الى الدول الغربية نفسها، ولا يُفيد من العالم العربي إلاّ اقل القليل. وما لم يكن هناك «توجّه حكومات» الى تهيئة الشروط الموضوعية لقيام نهضة علمية شاملة، فإن قصارانا من علوم العصر أن نكون سوقاً لتطبيقاتها او لمنجزاتها التقنية، مع استبقاء واقع التخلّف الذي نعيشه كما هو، وتلك خدعة ذاتية نُمارسها ولا يكون منها إلا المزيد من التبعية والارتهان كما لا يمكن ان يتمارى فيه عاقلان.
إن بيوتنا مليئة بمنجزات الغرب العلمية او بما نقلّده منها بحسب أُنموذجات صناعتها (كتالوجاتها)، ولكن عقولنا فارغة من الاصول العلمية التي أُنتجت في ضوئها هذه المنجزات.
وعلى أن هذه حالة تجاوزتها مجتمعات كانت أقلّ منا تطوراً وأوغل في البدائية والتخلّف، إلا أننا ظَلَلْنا نراوح في المكان نفسه، منذ بدايات ما يدعونه بنهضتنا الحديثة منذ قرنين من الزمان الى يوم الناس هذا.
ولقد كتبت عشرات الأسفار في هذه المسألة واختلف اصحاب العقول اليها دراسة وتحليلاً، وكان ثَمّةَ حلول مقترحة لها، وكان ثمة إرادات خيّرة وروّاد مصلحون، ولكن ما يدعوه بعضهم بالهمالة السياسية او بالفساد السياسي كان حائلاً دون ادنى حركة في اتجاه النهوض الحقيقي، وبقيت الأمة تُهرَعُ – يسوقها في ذلك ساستها المتنطّسون وزعماؤها التاريخيون (!) – في آثار الأمم وغَلَب عليها الكَسَلُ والبطالة وموات الأذهان، حتى استيأس المصلحون من أبنائها أو كادوا، وحتى لم يعد يُرجى لها بعد هذا الرقاد إلا انتظار المعاد والنشور يوم التناد.
ربّ قائل إن ثَمّة معطيات وراء هذه المعطيات التي تثمر القنوط، وإن أُمّة العرب ولاّدة، وإن مستقبلها واعد، ولكن تحقيق ذلك، على أي وجه لن يكون إلاّ بروح متوثبة للإصلاح قِوامها العقل والإيمان.
فنقول: هذا ما نرجوه، وعسى أن لا يطول أمدُ الرجاء.