بعد اسبوع من الآن (23/1) يلتئم اجتماع استانا الذي رافقه وما يزال، لغط وجدل وتجاذب كبير, نحسب انه سيتواصل خلال انعقاد جلسات «المؤتمر» وبعدها, وبخاصة ان جهات عديدة ذات مصلحة في عرقلته, ما تزال تشعر انها بدأت رحلة الخسارة وربما فقدان الدور المُصطَنع الذي انيط بها ذات مرحلة لم تكن موازين القوى (الميدانية والسياسية ايضا)على النحو الذي هي عليه الان، فضلا عن بروز اطراف وفصائل وتنظيمات, بعضها كرتوني وآخر له وزن النسبي في الداخل السوري، تُطالِب بان تكون لها الكلمة الفصل في المرحلة المقبلة، بعد ان خاب املها في الهيئة العليا للمفاوضات لصاحبيها رياض حجاب واسعد الزعبي، جيء بهما (وغيرهما) كي ينوبا عن عواصم اقليمية عربية وغير عربية, في سعيها للإجهاز على ما تبقى من سوريا ووراثة دورها الجيوسياسي والإنطلاق لبناء تحالفات واصطفافات جديدة, لا تطمس على العروبة وتلغي ما تبقى من نتائج قومية فحسب, بل وايضا في مباشرة الإعداد لمرحلة التصالح وتطبيع العلاقات مع اسرائيل، حيث لا تخفي الاخيرة انها نسجت علاقات – من تحت الطاولة ومن فوقها – مع عواصم شرق أوسطية عديدة, وأن توقيت «تظهيرها» واعلانها في شكل رسمي... لن يتأخر كثيراً.
ما علينا..
قبل ان تنتهي اجتماعات الفصائل «العسكرية» المُعارِضة التي استضافتها اجهزة الاستخبارات التركية في أنقرة (كونها الراعية والممول والداعم, والآن اخذت صفة الضامنة لها) ونجحت (الاستخبارات التركية) في «الضغط» مع ممثلي تلك الفصائل وخصوصا «حركة احرار الشام» ذات الثقل والتأثير العسكري الميداني المعروض، كي تسحب اي شروط مسبقة لمشاركتها في استانا الاثنين المقبل، خرجت علينا «هيئة» رياض حجاب واسعد الزعبي ببيان انشائي مُطوّل, تفوح منه رائحة التسليم بان نجمها آخذ في الأفول, وإذ باتت غير قادرة على «توفير البضاعة» للرُعاة والممولين والداعمين، فان الدعم سيتحول بدءا من الان, الى «عسكر» الفصائل الذين يدركون انهم اذا ما استمروا في لعب دور ثانوي وتركوا «الهيئة» ورجالاتها الذين يقيمون في الفنادق والمنتجعات ويقضون اوقاتهم على الفضائيات ومؤتمرات الحكي والثرثرة، فإنهم (عسكر المعارضة) سيدفعون ثمن التطلعات السياسية لِـ»فرسان» الهيئة والائتلاف وغيرهما من الاسماء والتسميات, وربما تتم التضحية بهم عند اي تسوية سياسية تضع حدا للعمل العسكري الذي سيكون في حكم المُنتهي في اليوم التالي للتوصل الى خريطة طريق بين الحكومة السورية والمعارضات الوطنية, ذات الثقل او التأثير الشعبي الداخلي, وليس اولئك الذين استمرأوا طوال ست سنوات, الإقامة في الخارج والتنظير وزيادة ارصدتهم من «مِنح» وأُعطيات وإكراميات مُشغِّليهم.
اطرف ما جاء في بيان هيئة حجاب والزعبي, هو اعلان «دعمها» الوفد العسكري المفاوض و»استعدادها» لتقديم الدعم اللوجستي له، في الوقت ذاته الذي طالبت فيه بترسيخ الهدنة والعمل على «بناء الثقة» عبر تنفيذ البنود 12 و13 و14 من قرار مجلس الامن رقم 2254 خصوصا – والإشارة في البيان – في ما يتعلق بفك الحصار عن «جميع» المدن والبلدات المحاصَرة وادخال المساعدات واطلاق المعتقلين».
يستطيع اي باحث او متابع للشأن السوري وعمل المعارَضات التائِهة والتافِهة هذه, ان يعود الى بياناتها السابقة ليكتشف في سرعة وفي غير عناء, الكلمات والمفردات والمصطلحات ذاتها التي تتكرر في هذا البيان الهزيل الذي يعكس إفلاسا سياسيا واخلاقيا واضحا, ورغبة من القائمين على الهيئة والائتلاف ومن يقف خلفهما من عواصم واجهزة استخبارات في مواصلة التلويح بشمّاعة إئتلاف وهيئة ثم استيلادهما في الغرف السوداء, ومن ثم اختطاف تمثيل «المعارضات» وحصرها في «هيئة» تفاوضية اثبت رموزها عجزهم على النهوض بأي دور ايجابي لحل الازمة سياسيا, بل وقعوا في فخ المراهقة السياسية وانعدام القدرة على الاستفادة من الأجواء التي سادت في مباحثات جنيف, لإيقاف معاناة الشعب السوري وفقدان اسباب الحياة في ذلك البلد العربي العريق.
وكي تُبقي «الهيئة» على بعض «هيبتها» المفقودة, بعد ان بات واضحا انها لن تُدعى الى استانا وربما الى غيرها, فان البيان حمل في ثناياه عبارة لافتة «.. تُثمِّن الهيئة لقاء استانا باعتباره خطوة (تمهيدية) للجولة المقبلة من المفاوضات السياسية التي أعلن عنها المبعوث الدولي دي ميستورا في جنيف الثامن من شباط المقبل».
ولم ينس بيان الهيئة «اشتراط» الحضور العربي والدولي في مفاوضات الحل السياسي, خصوصا «مجموعة» الدول التي وقفت الى جانب الشعب السوري في محنته الراهنة».
هل بعد كل هذا «الإنشاء» وفقدان البوصلة وبقاء هؤلاء «الثوار» في مربع خدمة خطط ومشروعات الهيمنة والإستتباع التي تسعى عواصم عربية واخرى إقليمية وخاصة عثمانية جديدة ذات نزعة استعمارية, يُمكن الرهان على معارضة, كتلك التي هي عليها هيئة حجاب والزعبي؟ تلك الهيئة التي لم تستخلص الدروس والعِبر خصوصا بعد تحرير شرقي حلب وإنكسار شوكة المجموعات الارهابية المُسلحة التي يُزعَم انها تقود «ثورة» في سوريا؟.