ليس الزمن ظرفاً محايداً بحال. إنه الاكثر فاعلية في الاسباب وهو الذي يرد الانسان آخر المطاف الى مآب..
يقول الشاعر العربي:
أشاب الصغير وافنى الكبير
مر الغداة وكر العشي
وهو أشبه شيء بالموت, او كما قال شاعر آخر:
لعمرك ان الموت ما أخطأ الفتى
لكالطول المرخى وثنياه باليد
حتى «المكان» الذي يراه بعض المتفلسفة والزمان شرطين للمعرفة والوجود لا ينجو من اثر الزمن فيه. وتلك هي الاطلال الدوارس شواهد ناطقة بفعله, ودونكم البئر المعطّلة والقصر المشيد وما شئتم الاعتبار به من آثار الامم..
الزمن, إذن, لا يقف منا موقف المتفرّج, كالذي قيل فيه:
تمر بك الابطال كلمى هزيمة
ووجهك وضاح وثغرك باسم
بل هو بطل مدجج شديد الكر ثقيل الوطأة, لا يمل من الصيال حتى يسلم الناس جميعاً, صغيرهم وكبيرهم, قويهم وضعيفهم, غنيهم وفقيرهم, عالمهم وجاهلهم.. الى مصايرهم المحتومة ونهاياتهم المعلومة..
على ان ما يغرّنا من شأن الزمن انه غير مرئي لنا وإن بدت آثاره فينا وفيما حولنا, وامكن لذوي البصائر منا أن يستدلوا بها عليه.
انه – إن صح التعبير – ظاهر خفي, ننتبه الى حضوره بين الفينة والفينة, وعند المنعطفات الصعبة من حيواتنا, فنوقن برجوعنا الى معاد, وبأن بعد الامد المحدود آماداً, وينبعث فينا هاجس للخلود مأتاه فطرتنا التي فطرنا الله عليها, ثم نتساءل عما يقيمنا في الرضى ويدفع القلق عن انفسنا, فلا يكون الا الايمان بالله العلي القدير الذي انزل في كتابه الكريم انه لم يخلقنا عبثاً, واننا اليه راجعون..
لا حكم للزمن, اذن, على المؤمن, بل هو مضمار عمله, وامتحان ارادته, وشاهد حضوره.
يقول تعالى: «والعصر إن الانسان لفي خسر, الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق واتواصوا بالصبر».
وتلك هي الاربع المنجيات من الخسر لو كنتم تعلمون..