ما الذي دفع الرئيس الاميركي باراك اوباما الموشك على الخروج من البيت الابيض بعد شهر تقريبا الى اتخاذ قرار يعتبر سابقة نادرة في العلاقات مع اسرائيل، وماذا كان سيحصل لو ان مصر–التي صاغت القرار الذي تبناه مجلس الامن ضد الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية المحتلة ووافقت تحت ضغوط على ارجاء طرحه للتصويت – اضطرت الى عدم تأييد القرار؟ وما هي دلالات ردود فعل اسرائيل على قرار مجلس الأمن؟ وهل سيكون الرئيس الاميركي المنتخب دونالد ترامب قادراً على ان يعكس موقف ادراة اوباما من دون أن يلحق ضرراً بالغاً بعلاقات اميركا بالعالم العربي؟
لقد امعنت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة، خصوصا في عهد نتنياهو، في تحديها لقرارات الامم المتحدة والقانون الدولي مركنة الى تسامح الادارات الاميركية المتعاقبة تجاه مخالفتها السافرة لقرارات الشرعية الدولية. ومن هنا فان قرار مجلس الأمن الذي يطالب اسرائيل بأن «توقف فوراً وعلى نحو كامل انشطة الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية» يمثل نقطة تحول فارقة تضع المجتمع الدولي بأكمله في جانب الشرعية الدولية وتضع اسرائيل في الجانب المخالف والمنتهك لهذه الشرعية.
قدمت المندوبة الاميركية لدى الامم المتحدة سامنثا باور تفسيراً فصيحاً لقرار بلادها الامتناع عن التصويت بالقول ان «البناء الاستيطاني يقوض بشكل خطير أمن اسرائيل. ان الولايات المتحدة ظلت ترسل رسالةً سراً وعلناً منذ حوالي خمسة عقود بأن المستوطنات يجب ان تتوقف». واضافت: «لا يمكن للمرء ان يدافع عن توسيع المستوطنات الاسرائيلية وان يدافع في الوقت ذاته عن حل (على اساس) دولتين تتوافر له مقومات الاستمرار لإنهاء الصراع».
وواقع الامر ان الرئيس اوباما قال في بداية رئاسته الاولى انه يريد للاستيطان الاسرائيلي ان يتوقف تماما كونه غير قانوني. لكن رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو تجاهل طلب الرئيس الاميركي وظل يتحداه، حتى خلال زياراته لأميركا، سواء داخل البيت الابيض اوتحت قبة الكونغرس الاميركي الذي يحظى فيه نتنياهو بتأييد لا يكاد يجد له مثيلاً في الكنيست. واضطر الرئيس اوباما الى السكوت عن الاستيطان الى ان فجر موقفه النهائي منه بقراره الايعاز الى مندوبة بلاده في مجلس الامن الدولي بالامتناع عن التصويت.
وعندما نما الى علم نتنياهو ما يعتزم الرئيس اوباما عمله، سعى بصورة محمومة الى عرقلة تبني مجلس الأمن للقرار المضاد للاستيطان وحاول ثني مصر عن تأييد القرار وجند الرئيس الاميركي المنتخب ترامب للاتصال بالرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ليمارس ضغطاً على مصر ويقدم لها اغراءات لفظية عن مستقبل العلاقات الثنائية. وقد نشرت صحيفة «الاهرام» صيغة دبلوماسية لما جرى بحثه في المكالمة التي اجراها ترامب مع الرئيس السيسي اذ قالت انه جرى التطرق الى مستقبل العلاقات المصرية الاميركية بعد تولي الادارة الاميركية الجديدة مسؤولياتها بشكل رسمي.
من المؤكد ان ترامب ما كان ليجري اتصالاً هاتفياً مع الرئيس السيسي في هذا التوقيت بالذات لولا ان نتنياهو دفعه الى ذلك ليقنع الرئيس المصري بارجاء طرح مشروع القرار للتصويت وعدم تأييده عندما يطرح للتصويت. لكن مصر صوتت تأييداً للقرار بعد ارجائه ليوم واحد. وما كان لمصر ان تفعل سوى ذلك اذ انها تبقى، على الرغم من اي ظروف اقتصادية ومتغيرات اقليمية وعالمية، الدولة العربية الوازنة التي ترتبط كبرياؤها ومكانتها ومصالحها بكبرياء العرب ومصالحهم ومكانتهم في هذا العالم، مهما تكن المصائب التي يعانون منها الآن. ولو ان مصر رضخت لضغوط ترامب هذه المرة لاضطرت الى الاستمرار في الرضوخ له بعد توليه الرئاسة.
أما عن نتنياهو واليمين الاسرائيلي المتطرف فلا شك في انهما اصيبا بصدمة عنيفة جراء موافقة مجلس الأمن الدولي على مشروع القرار الذي اعتبر ان المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي الفلسطينية المحتلة «ليس لها اي اساس قانوني وتعوق بشكل خطير فرصة حل الدولتين».
ان هذه المفاجأة غير السارة لليمين الاسرائيلي تعتبر مضاعفةً لسببين: اولهما ان الولايات المتحدة التي درجت على استخدام حق النقض (الفيتو) ضد اي قرار يدين مخالفة اسرائيل للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية امتنعت هذه المرة عن التصويت تاركة ظهر اسرائيل مكشوفاً على الصعيد السياسي العالمي. اما السبب الثاني فهو ان قرار ادارة الرئيس باراك اوباما الامتناع عن التصويت جاء بعد النشوة العارمة التي شعر بها اليمين الاسرائيلي في اعقاب اعلان الرئيس الاميركي المنتخب ترامب تأييده المطلق لاسرائيل وتسميته احد اقوى مؤيدي الاستيطان اليهودي في الاراضي الفلسطينية سفيرا للولايات المتحدة لدى اسرائيل وبعد وعود بنقل السفارة الأميركية الى القدس.
واعتبرت صحيفة «هآرتس» الاسرائيلية في مقال افتتاحي في عددها الصادر السبت، غداة قرار مجلس الأمن، انه «يمكن القول ان نتنياهو ذهب لينام مع ترامب، واستيقظ مع باراك اوباما» وان البناء الاستيطاني على الاراضي الفلسطينية المحتلة «خطأ استراتيجي».
في ردود الفعل الاسرائيلية الرسمية على موقف الولايات المتحدة في مجلس الأمن، اتهم نتنياهو الرئيس اوباما بـ»التواطؤ ضد اسرائيل» في مجلس الأمن. وكان رد فعل وزير الطاقة الاسرائيلي يوفال شتاينتز اكثر درامية وتمويها للحقائق اذ قال: «الولايات المتحدة تخلت عن اسرائيل بامتناعها عن التصويت. انه قرار ضد اسرائيل. ضد الشعب اليهودي والدولة اليهودية. الولايات المتحدة تخلت الليلة الماضية عن صديقها الوحيد في الشرق الأوسط». ولقد كشف شتاينتز بذلك سعي اسرائيل الدائم الى ايهام اميركا بان اسرائيل صديقها الوحيد في المنطقة علماً ان اسرائيل عملت وستظل تعمل على افساد العلاقات بين دول المنطقة والولايات المتحدة.
وقال مسؤول اسرائيلي آخر لم يعلن اسمه لكن من الواضح انه يمثل وجهات نظر نتنياهو: «كان بإمكان الرئيس الاميركي ان يعلن رغبته في استخدام الفيتو ضد القرار لكنه شجعه بدلاً من ذلك، وهذا يعني التخلي عن اسرائيل ويخالف السياسة الاميركية التي تعمل منذ عقود على حماية اسرائيل في الامم المتحدة، كما انه يقوض فرص العمل مع الادارة الاميركية المقبلة من اجل تقدم عنلية السلام».
بقي القول ان مندوبة اميركا قالت الجمعة ان بلادها امتنعت عن التصويت على القرار المضاد للاستيطان – اي انها سمحت بتمريره – لانه يتفق مع موقفها المعارض للاستيطان.
هل سيستطيع ترامب عكس سياسة اوباما تجاه الاستيطان؟ لقد اعلن ترامب عبر «تويتر» بعد تمرير قرار مجلس الأمن: «أما في ما يتعلق بالأمم المتحدة فستكون الأمور مختلفة بعد 20 يناير». وعلى الرغم من ان قرار مجلس الأمن غير ملزم ويعتبر مجرد توصية لأنه اتخذ بموجب الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة، الا انه يمثل الاجماع الدولي ويشكل رسالة ديبلوماسية موجهة الى اسرائيل، لا تنذر بعقوبات عليها. ان موقف ادارة ترامب سيكون مؤيدا لاسرائيل وتجاوزاتها وخرقها للقرارات الدولية ولن يكبحها ويردعها عن ذلك سوى موقف عربي موحد يؤمل ان تستطيع الحكومات العربية الاتفاق عليه حماية للمصالح العربية في فلسطين. وقد يلتفت ترامب الى ما سيقوله وزير الخارجية الاميركي جون كيري في خطاب سيعرض فيه ما توصل اليه من استنتاجات خلال سعيه على مدى السنوات الاربع الماضية الى اقناع اسرائيل بالقبول بحل الدولتين على اساس حسم قضايا الحدود، والقدس، والأمن واللاجئين. كما قد يلتفت ترامب الى التطرف المنفلت في بعض انحاء العالم العربي وما قد تسفر عنه قرارات ادارته من آثار تعمق هذا التطرف وتجذره او تسهم في انحساره وتوقفه.
كاتب سياسي ومؤلف اردني
قرار مجلس الأمن ضد الاستيطان غير ملزم لكنه يمثل الإجماع الدولي ويضع اسرائيل في زاوية
12:00 9-1-2017
آخر تعديل :
الاثنين