كان لقاءً ممتعاً ذلك الذي جمع بين أبي عامر بن شهْيد وبين بغلة أبي عيسى في أرباض ارض الجن، إذ قالت له البغلة – كما جاء في «رسالة التوابع والزوابع»:
- أما تعرفني أبا عامر؟.
- قال: لو كان ثّمَّ علامة!
فأماطت لثامها فإذا هي بخالها على خدها، ثم تباكيا طويلاً واخذا في ذكر ايامهما الخوالي.
فقالت: ما ابقت الأيام منك؟
قال: ما ترين.
قالت: شبَّ عمر عن الطوق، وما فعل الأحِبّة؟
قال: شبّ الغلمانُ، وشاخ الفِتيانُ، وتنكّرت الأخلاق، ومِنْ إخواننا من بلغ الإمارة وانتهى الى الوزارة.
فتنفست الصعداء وقالت: سقاهم الله سبل العهد، وإن حالوا عن العهد ونسوا أيام الود.
ثم قالت: بُحرمة الأدب الا اقرأتهم سلامي!.
قال: كما تأمرين.
ثم ان بغلة أبي عيسى التي لا تنفك تسأل ابا عامر عن الخِلاّن وما جرى عليهم به الحِدثان، ما لبث ان افشلت المكنون من سرها وما كان من تشبيب بغل شاعرٍ بها يقول فيه:
على كل صب من هواهُ دليلُ سَقَامٌ على جِدّ الهوى ونُحولُ
وما زال هذا الحبُّ داءً مُبرّحاً إذا ما اعترى بَغلاً فليسَ يزولُ
بنفسي التي أما ملاحِظُ طَرْفِها فسِحرٌ وأمّا خَدُّها فأسيلُ
تعبت بما حُمّلت من ثِقل حُبّها وإني لبغْلٌ للثقالِ حمولُ
يقول الدارسون - الدكتور زكي مبارك مثلاً – إن رسالة التوابع والزوابع» سابقة لرسالة الغفران للمعري، وأنهما معا يمثلان نمطاً أدبياً متميزاً وَصَل النثر العربي فيه الى قصاراه من الغرابة، وهو امر لا نعجبُ له لماحفلت به حياة العرب من غرائب يحار فيها العقلاء، فغرائبية ابن شهيد وابي العلاء انعكاس لوقائع مشهورة، يمكن ردّها جملة وتفصيلا اليها.
واذا كنا عجبنا لحديث بغلة ابي عيسى وسؤالها عن مصاير الخلان وما بلغوه من تحقيق طموحاتهم، ثم للعشق «البغّالي» الذي تنعم به، فان عجبنا سيكون أكبر من تلك الإوزّة البيضاء الشهلاء التي لم تؤخذ بما كاله لها ابو عامر من مديح وصاحت به: «أيها الغارُّ المغرور، كيف تحكمُ في الفروع وأنت لا تُحِكمُ الأُصول»، ثمّ تشتَدُ المُلاحاة بينهما الى أن يسألها قائلاً: «بالذي جَعَل رداءَك ماءً، وحَشا رأسكِ هواءً، أيّهما أفضلُ؟ الأدبُ أم العقل؟.
قالت: بل العقل.
قال ابن شهيد: وهل تعرفين في الخلائق أحمقَ من إوزة؟.
* * *
وبعد، فهذه وقفة عجلى مع طرائف من توابع وزوابع أبي عامر (ابن شهيد الأندلسي) لا نثقلها بتعقيب ولا نُساوِرُها بتأويل بعيد أو قريب، فإن هي أجزأت النبهاء فذاك، وإلاّ فهي ضائعة في غمرة هذا «العِلاك»..