كان «دايفيد» بطل رواية الكاتب الاميركي «فيليب روث»: «الحيوان المحتضر» رجلاً جامعاً لمحاسن (!) الحضارة الغربية من حيث جوانبها المعرفية والجمالية ومن حيث شعورها بالقوة الذاتية وبقدرتها على السيطرة والتملّك على انواعهما.
كان يملك ان يتحدث الى طلبته وطالباته في الجامعة عن آخر طرائق الكتابة الادبية والنقد التطبيقي, كما كان يستهوي كثيراً من مشاهدي برنامجه التلفزيوني. وكان الى ذلك بارعاً في الاستشهاد اثناء محاضراته ومقابلاته بوليم شكسبير, وبالرسام الحداثي الفرنسي بالثوس Balthus وبغرائز كافكا (الذي يشاركه أصله اليهودي) وبالروائي الاميركي هاوثورن وبجوزيف كونراد, وبكازنوفا صاحب المغامرات النسائية (الذي يشاركه في نزعته ويؤلف روايته موضع حديثنا على غرار كتابه: «قصة حياتي», وببيكاسو وتكعيبيته التي يفتنّ في شرحها.
وكان الى ذلك شغوفاً بالفنون التشكيلية وبالموسيقى, ولن تعدم له اهتماماً بعزف الموسيقى ورسم اللوحات. فهو مستكمل, بامتياز, مظاهر الانسان المتحضر, في آخر طبعة له على الطريقة الاميركية.
لكن «دايفيد» هذا كان ضعيفاً أمام غرائزه الدنيا ومطالبها الغريبة, فهو يسخّر كل ما تقدم في نصب شباكه التي ينسجها بدقة احترافية لاقتناص من يغويهن ظاهر امره من طالباته. حتى اذا وقعت احداهن بين يديه انقضّ عليها انقضاض وحش الغابة وكان اكثر سادية معها من «الكونت دي ساد» مع ضحاياه, وكان شاذاً ومبتذلاً الى ابعد مقابح الابتذال والشذوذ.
كان حريصاً على اتخاذ سمت الاستاذ بالغ الرقي ورهافة الذوق طوال مدة الفصل الدراسي, فاذا شارف على النهاية عمد الى ما يسميه «خدعة شريفة», فقام, بعد الاختبار النهائي لطلبته وطالباته اللواتي يكون قد وقع اختياره على من يريد منهن, برمي طعمه (الحضاري المتأنق) ودعا الجميع الى حفلة في منزله, يجهد فيها أن يري مدعويه, ولا سيما الفتيات, انه «كائن بشري» في الدرجة الاولى لا ذلك المدرّس المهيب ولا ذلك الاعلامي المشهور, وعلى أن يقع منهم الانبهار بشقته المنظمة من طابقين وبمكتبته الضخمة ذات رفوف الكتب المزدوجة التي تحوي ما تستغرق قراءته السنين الطوال, وعلى أن يروا الى البيانو الخاص والى اللوحات وألوان التحف التي تملأ المكان.
لقد نجح «دايفيد» في اقتناص العديد من الفتيات اللواتي ينبهرن بظاهر المعرفة والجمال والنظافة والدماثة, وكان له ما شاء من فرص استدعاء وحش الغابة من اعماقه البعيدة عن ممارسة الطقوس «الحضارية» التي ملأ «فيليب روث» روايته «الحيوان المحتضر» ببذاءاتها التي يشمئز منها الذوق السليم لأي قارئ سوي. وهي بذاءات وتسفّلات اخلاقية يبدو انها من معهود ما اعتاده الغربيون (ومما يضاهيهم به بعض صغار الكتاب العرب ايضاً).
واذ نتجاوز ضروب النكوص هذه الى ما وراءها ونحن على يقين من أن كثيراً من قراء الرواية العرب يتلبثون عندها (وهنا تكمن خطورة ترجمة مثل هذا الغثاء دون مقدمات نقدية تموضعه في سياق الحضارة التي افرزته) فإننا نجد أن «دايفيد» الذي يدلف الى السبعين من عمره يوقع بفتاة عشرينية ذات اصل كوبي تستجيب لرغائبه المبتذلة, وتقضي معه بضع سنوات لا تلبث ان تصاب بعدها بسرطان الثدري, وأن تعيش مأساة انتظار موتها او ما يراه «دايفيد» فقدانها القدرة على الاستجابة لغرائزه الدفينة.
واذ تجنح حياة الفتاة الضحية الى الغروب, وفي مشهد بالغ الدلالة على الانهيار القيمي في الحضارة الباذخة (ذات السبعة نجوم) نرى الى «كونسولا» المسكينة وهي ترجو «دايفيد» ان يبقى الى جوارها بعض الوقت, ونستمع اليها وهي تتوسل اليه حين يقول: «ينبغي ان اركض» ان «لا تفعل.. لا تذهب» لكنه يمضي «راكضاً» وهو يحدًث نفسه قائلا: «ينبغي أن يكون معها شخص ما.. سوف تجد شخصاً ما».
ونحن اذ نعلم ان «فيليب روث» كاتب هذه الرواية يقدم لنا هنا رؤية بدائية للعالم لا تُعنى بغير تملّق الذات السفلى في الانسان وبغير «السيطرة والتملك» اللذين يمكن بهما وصف طبيعة المجتمع الذي انطبعت خصائصه فيه, من حيث انه كما يقول مترجم الرواية: «كاتب اميركي حتى النخاع», فإن علينا ان نقر له, في الوقت نفسه بفضل اطلاعنا على ما يخفيه ظاهر التقدم الحضاري في اميركا من قسوة وعنف داخلي, وعدم اكتراث بالانسان.
انها رواية من روايات كثيرة تمثل الخواء الروحي في الغرب, ولكن حقيقة دلالتها لا يدركها الا عقل نقدي ووعي نضيج وهما امران قلّما نجدهما في جمهور الشباب الذين يؤخذون في الغالب بما فيها من تهتك واباحية وتوقّح.
واذا كان لنا أن نقارن رواية «فيليب روث» الاميركي اليهودي هذه (صدرت عام 2001) برواية لهرمان هسّة الالماني اليهودي «لعبة الكريات الزجاجية» التي صدرت عام 1933, والتي كان موضوعها «الخواء الروحي: ايضاً. فإننا نجد فارقاً كبيراً في الاسلوب وطبيعة التناول والشخصيات بين الاولى والثانية فعلى عكس البهيمية المقرفة في «الحيوان المحتضر» كان السمو الفكري والطابع الروحي في «لعبة الكريات الزجاجية» وعلى عكس الهاجس الجنسي المريض عند فيليب روث أو عند الشخصية الرئيسة في روايته كان الهاجس المعرفي (الفلسفي) عند «هيرمان هسّة» الذي كان للروحانية الشرقية أثر كبير في حياته وفكره وأدبه على حد سواء..