نطالع في وسائل التواصل المختلفة ومنها الاذاعات والصحف من وقت لاخر بيانات او اعلانات مروّسة بعبارة «للجادين فقط « يقوم بنشرها أفراد او شخصيات اعتبارية أو مؤسسات يعرضون من خلالها عقاراتهم أو مشاريعهم للبيع أو الايجار أو الاستثمار باسلوب لا يختلف كثيرا عن عروض الزواج الصريحة على بعض المنابر والقنوات الفضائية!
سواء كان الاعلان تعبيرا عن موقف سياسي أو شخصي من قضية ما أو عن مشروع لرجل أعمال ، هناك عاملان مشتركان بين هكذا اعلان و بين عارض أو عارضة الزواج. العامل الأول هو ان المعلن يواجه صعوبات في ادارة شؤونه الخاصة ، فيلجأ للاعلان على الملأ عن رغبته للخروج ولو مؤقتا من مأزقه دون أية ضمانات مؤكدة. ثانيا يعرض صاحب الاعلان صورة ايجابية عن مشروعه وفكرته تتضمن تفاصيل محددة بهدف جذب اهتمام المتلقي وكسب ثقته التمهيدية ، ولا يذكر سلبية واحدة كأن يكون عقاره مثلا مرهونا ، أو ان يتناسى عارض الزواج انه مفلس وفاشل على كل الجبهات باستثناء رغبته الصادقة في تكوين اسرة!
هكذا قرأت قرار مجلس الامن الدولي الاخير رقم 2334 المتعلق بوقف النشاط الاستيطاني الاسرائيلي في الاراضي الفلسطينية التي احتلتها علم 67»!
فقبل الخوض في تفاصيل الدبلوماسية الرفيعة التي اتحفتنا بهذا القرار يلّح هنا سؤال حول توقيته. ما الذي تغير منذ صدور عشرات القرارات المتعلقة بموضوع الاحتلال ثم جرعات الاستيطان المنظمة والتي بدأت بقرار 267 عام 1969 الخاص بوضع القدس العربية المحتلة؟
الذي تغير هو زيادة عدد المستوطنين واتساع المستوطنات على حساب الاراضي الفلسطينية وسكانها.ثم بروز جدار الفصل الاسرائيلي ليكرس هذه التغيرات كأمر واقع ومعقد جدا. لكن التغيير الأخطر أصاب الحالة الذهنية العامة التي تشبه السبات الجمعي في المنطقة لها امتدادات اقليمية ودولية والتي بدأت تتعايش مع شواهد الامر الواقع الواضحة لصالح الوضع الاستيطاني.
القرار الأممي الاخير يشير أيضا الى وجود فريقين يقفان على طرفي نقيض من موضوع الاحتلال والاستيطان هما:اسرائيل «الصغيرة» من جهة ، والعالم بأسره على الجهة المقابلة ، باستثناء الولايات المتحدة المتعاطفة معها في السراء والضراء. لكن لا شيء في القرار يوحي بالقلق حول النشاط الاستيطاني السابق الذي قضم ما قضم من الاراضي الفلسطينية. والدليل على ذلك التغافل المتعمد ربما الخبيث ، عن التلويح بأية عقوبات أو اجراءات ضد اسرائيل اذا لم تذعن ، لأن التهديدات السابقة كلها نقعت وشرب ماؤها !
اما اسرائيل كالعادة فجاء ردها عمليا وسريعا. فقد أعلنت انها ترفض القرار وتعتبره مشينا. كما انها ألغت زيارة متوقعة لوزير خارجية السنغال الى اسرائيل واستدعت سفيريها في السنغال ونيوزلاندا احتجاجا على مشاركتهما في طرح القرار نيابة عن مصر الى جانب فنزويلا وماليزيا ، وهي دول تنتمي لفئة وزن الريشة أو الذبابة حسب التصنيف الدبلوماسي الدولي!
بالعودة الى التوقيت فسيظل مبهما ، لكن لا بد من التساؤل حول قرب نهاية عهد اوباما وبداية حكم ترمب الذي علّق على الموضوع في تغريدة مختصرة قال فيها «ان الامور في الامم المتحدة ستتغير بعد 20 كانون الثاني القادم « أي عندما يبدأ عمله كرئيس جديد.
كل هذا وغيره مما لا يتسع له المقام هنا لا يشجع على قراءة هذا القرار الا من باب بيان غير طموح يذّكر بوجود شيء مطلوب لأنه مفقود. انه باختصار خطاب موجه بشكل حصري لغير الجادين فقط !
هذا اذا لم تتحفنا ادارة «ترمب» القادمة بمفاجأة من الوزن الثقيل!