في ليلة مبكرة من ليالي « الربيع العربي «، الذي تسلل الى سوريا من بوابتها الجنوبية ( درعا )، استيقظ الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وفتح حدود بلاده أمام تدفق المسلحين الى الأراضي السورية بكامل سلاحهم. المشهد انعش ذاكرته العثمانية، باعتبار أن ما حدث ويحدث في الداخل السوري، يشكل فرصة تاريخية لاعادة تشكيل خريطة المنطقة، على قاعدة الحلم العثماني بضم حلب والموصل، أي اقتطاع أجزاء من الشمالين السوري والعراقي في عملية تتريك جديدة، ضمن مشروع التقسيم الأكبر المشبوه.
ولكن عتمة الليالي لم تساعد اردوغان على تحقيق مشروعه، لأن التطورات التي حدثت على الأرض، جاءت نتائجها على عكس توقعات الرئيس التركي وقادة الدول الغربية التي تورطت بدعم ومساندة التنظيمات المسلحة المتطرفة، وقد يكون اردوغان والرئيس الفرنسي هولاند أكثر تشددا وحقدا على سوريا الدولة الموحدة، من التنظيمات الارهابية، على الرغم من انتقال نار التطرف والأرهاب الى بلديهما.
قبل معركة حلب، وبعدها، سعى الرئيس التركي، وكذلك قادة الدول الغربية، رمي طوق النجاة للمسلحين، تحت عنوان نجدة حلب لحماية المدنيين، ومساندة « المعارضة المعتدلة «، وفرض هدنة لتقديم المساعدات الانسانية. ولكن عندما انتهت المعركة باستسلام المسلحين وانسحابهم، قرر اردوغان الاستمرار في لعبته العسكرية، من خلال قوات درع الفرات التي ترفع علم الجيش الحر، فقرر الدخول الى بلدة الباب، وهي بوابة حلب المهمة، لأنها تشكل خط الدفاع الأخير عن المدينة الكبرى في الشمال السوري.
نتائج معركة الباب أصابت الرئيس التركي، وقادة جيشه بصدمة قوية، هي أقرب الى الهزيمة العسكرية، تركت آثارها السلبية على جنود قوات درع الفرات، وربما اربكت قادة الجيش التركي، الذين ادركوا أن عملية تغلغلهم في عمق الأراضي السورية ورطة كبيرة نتجت عن قرار سياسي أحمق، اتخذه الرئيس التركي وهو في ذروة الوهم وممارسة لذة السلطة، وكان من الممكن تفادي الكارثة، والاكتفاء بدعم التنظيمات المسلحة الموالية.
وعلى سيرة الكارثة، من الواجب أن نشير الى ان تغلغل القوات التركية في الشمال السوري، هو اعتداء سافر وانتهاك سيادة دولة مجاورة، وبقدرة قادر، ومع التغيير المتسارع في التحالفات، تحولت من « نزهة أردوغانية « الى كارثة تهدد الأمن التركي، لأن الجيش التركي وجد نفسه يقاتل على عدة جبهات، حصادها مر، في الداخل والخارج.
والحقيقة أن تحالف اردوغان مع موسكو لم يشفع له، ولم يساعده على لملمة اوضاعه، والخروج من مأزقه، رغم نجاحه في التعتيم على فداحة الخسائر داخليا، من خلال القيود التي فرضتها حكومة انقرة على الصحافة وحرية التعبير. ولكن الثابت الآن أن القيادة التركية السياسية أصبحت عاجزة عن اتخاذ الخيار الصحيح، بحيث لم تعد قادرة على احتواء الأزمة المعقدة التي تواجهها، أو الخروج من المأزق.
نقول ذلك لأن المعركة لم تعد في منطقة حدودية معينة، بل اصبحت القوات التركية تقاتل على اكثر من جبهة أولها الجبهة الداخلية «حزب العمال الكردستاني « وفرق المعارضة الأخرى، حيث انتقلت النيران الى العمق التركي حتى وصلت الى العاصمة انقرة ومدينة اسطنبول، وقد تكون عملية اغتيال السفير الروسي، وعمليات التفجير المتعددة، قد كشفت هشاشة الوضع الأمني الداخلي في تركيا، اضافة الى الاشتباك مع التنظيمات والحركات الكردية في شمال سوريا، والقتال ضد داعش، والاشتباك مع الجيش السوري، وهو الواقع الذي اجبر الحكومة التركية على اطلاق الاستغاثة وطلب الغطاء الجوي من التحالف الدولي.
هذا المشهد بتفاصيله وتشعباته وضع القيادة التركية في حال لا تحسد عليه، ورغم ذلك ما زال الرئيس اردوغان يكابر، ويصرعلى فتح حدوده امام التنظيمات الارهابية، ويصر على التورط في الصراع السوري الداخلي، رغم خسارته الرهان على ورقته الخيرة ( الجيش الحر ). يبدو انه مستغرق في حلمه بالحصول على شيء من الغنائم في سوريا والعراق، عبر حجز مقعد له حول طاولة التفاوض على الحل السياسي في سوريا، ولكن الثابت ان السفينة السورية تسير في الاتجاه المعاكس، وليس كما يتمنى الرئيس التركي وحزب العدالة والتنمية.