هل أصبحت الأسرة ذات مقاييس لا يمكن السيطرة عليها في خضمّ ما نعيشه من أزماتٍ قد تؤدي إلى العبثية أحيانًا؟، أم أنّ ما يتوارد من أخبار محزنة ما هي سوى تجاوزاتٍ من أشخاص ينتابهم ظروف نفسية ومرضية تفقدهم السيطرة على الموقف؟ وهل يمكننا تناسي أحزان الآخرين إلى أن يقع النيزك قريبًا من دورنا فنستيقظ على حزنٍ آخر؟
وهل حينما يتأخر الدعاة والمصلحون عن إيجاد الحلول قبل حلول المصائب، فيهرع المتعجل والعاجز إلى حلول (القتل). وهنا هل لنا أن نهرع نحن لحلول مجتمعية تقلص الأخطاء المتكررة وكبح جماحها كي لا تتفاقم؟
وتحت العنوان أعلاه يتمنى الكاتب أن تبدأ نقطة الحلول الجادّة مع علمه أن هناك مَن يسهر على راحة المواطن في هذا البلد، ومع ذلك فهذه بعض ما تيسّر من الأفكار ، ومن باب (وتعاونوا على البرّ والتقوى) :
إنّ قمة السعادة التي يمكن أن نحققها من خلال الحياة القصيرة في أمدها، العميقة في معانيها، تكون تلك السعادة من خلال الإيجابيّة في رعاية النفس ومن نَعُول. ثمّ إنه ليس من القليل أبدًا، أنْ يمَكّنَنا الله، من الحياة ويهيئ لنا السماء وما فيها من بركات والأرض وما فيها من خيرات، فذلك أمرٌ يحتاج منا شكرًا، وليس من الشكر أن يفاجئنا البعض وهو يطير خارج السرب وخلف التلال وحيدًا في معزلٍ عن الصواب، بعيدًا عن ألفة الرأي والمشورة ، فيتناول الحلول الفاسدة ظنًّا منه أنها حلولٌ لمشكلة ما، وإذا به يغرق بالندم (ولات حين مناص).
والعجب أننا لا نقف لنتأمّل ما الذي يجري في بلدٍ آمنٍ، يعيث أحدهم فيه الفساد. ففي حينٍ يظن البعض أنّ الفساد في خيانة المال وسرقته من أموال الآخرين فذلكم فسادٌ ، نعم !!، ولكنْ حينما يصابُ الفكرُ بالخلل ، وتتخلخل عندنا المبادئ، وتصبحُ العجلة تدور بنا بعجلة تورث الندامة وتسحقنا في وادٍ غير ذي ضرع ولا زرع، فمجرّد أن يتخذ أحدهم قرارًا بإنهاء حياة إنسان ، يكن ذلكم هوالفساد والإفساد بعينه. أما قتلٌ في الأسرة باعتداءٍ من أحد أبنائها، فليس هناك مقياسٌ يتحمّل ضغط تلكم الجريمة فهي منكرة المبتدأ تكسر الخاطر والخبر، بل هي الشناعة والبشاعة والحماقة والغلوّ والتطرّف والعنجهية والتعدي على حرمات الله (ألا وإنّ لكلّ ملكٍ حمى ألا وإنّ حمى الله محارمه) إنها جريمة تستدعي التشمير لمنعها من دخول إطار الظاهرة، وهذه بعض الحلول المقترحة:
أوّلًا: التسلّح بالخوف من الله .. أساس الحلول ومنبعها:
ليس من المعقول أن تتكرر (الجرائم الأسرية) البشعة اللاتي وقعت مؤخرًا ، من غير أن ينبري لها المصلحون الدعاة إلى الخير وأصحاب القرار باتخاذ القرار، فهناك بداية التذكير بالخوف من الله تعالى، فيتحصّن به كلّ ذو لبٍّ وعقلٍ، فيجمع كبير الأسرة أبناءه وأحفاده، وشيخ المسجد، ومعلم المدرسة، ومدير الشركة، ومدير الدائرة والمؤسسة، ليتذكّر الجميع، أنّ الخوف من الله تعالى، أمرٌ واجب وحتمٌ لازم، ولا يعفي أحدًا من المسؤولية إذا أقدم إنسانٌ على قتل آخرَ ، وأمّا الأسرة الواحدة فهي مانعة من الجريمة بوحدتها ، لا أنْ نركب الرؤوس ، بدل أن نستخدمها لإيجاد الحلول لمشاكلنا، وبأقدامنا نطأ الثريا للنظر إلى مشاكلنا أنها أقلّ من أن نهتمّ بها ، لا أن تكون سببًا لدخول النيران وغضب الرحمن.
ثانيًا: إعادة ضبط المعايير: فهناك بعض الهوامش في حياتنا، لا بأس من إخراجها من كتاب الحياة، لكنّ البعض لا يزال يجعلها عنوانَ الكتاب، ومفتاح اليوم والشهر، فهناك المجاملات الكذابة، التي تردينا لنستيقظ بعد حين على انهدام الأسرة ، فيلجأ إلى انهزامٍ أمام النتيجة ، ويظنّ أنّ قرارًا غاشمًا هو الحلّ . بل إنّ الحلّ أن نبدأ بضبط حياتنا على المبادئ السامية ، وأولها : الاعتراف بالتقصير في الجوانب التي نحتاج إلى إتقانها.
ثالثًا: منذ أمد طويل ونحن نسمع عن دورات للمقبلين على الزواج، تمامًا كما سمع به بلادٌ آخرون فطبقوه عندهم . أما نحن فنكتوي من تشكيل أسرة تنهار بالطلاق أحيانا ، أو تعيش تحت وطأة الديون أحيانًا أخرى ، أو تنتج للمجتمع أبناءً ، يحتاجون أعمارًا لإصلاحهم . فهل سنبقى نلهث وراء حلول أسرية أم نشرع في تثقيف أبنائنا وبناتنا، على حين ينهلون ثقافةً من بعيد ، ويهدمون بها كلّ قريب.
رابعًا: حقوق الطفل والمرأة ، تسعى كثير من المجتمعات لتصويب أوضاعها، لدرجة أنّ الأب أصبح يستجدي حياةً يسمع فيها كلمة حنان فلا يجد، والسؤال: هذا الأب كيف نسيناه ؟ خذ مثالًا: سهر الأبناء أصبح إدمانًا ، في حين أنّ الأب يكدح ليله ونهاره ، فمتى يلجأ إلى مستقرّ راحته؟ الجواب : نحن معنيون في ضبط قوانين الأسرة حسب حجلة الحمامة ولنترك مشية الغراب.
خامسًا: دور المسجد : أصبح بعض كبار السنّ في مساجدنا همهم متى وكيف نشغل المكيفات ، أو لماذا تأخر الإمام أو المؤذن ... في إشكالات شكلية لا جوهرية . وهنا : إلى متى نفتح الذراعين لمساجدنا لنستقبل مشاكلنا ونرجع على الناس بالوعي والفهم والمشورة والتوجيه والتصويب والتثقيف والفقه والسيرة الحسنة ، فنخرج بحلول قبل وقوع المشكلات. أمّا والكلّ يطأ عنوان المسجد فلن تقوم فيه قائمة للحلول المطلوبة إيجادها، ناهيك عن عبثية – أحيانًا-.
سادسًا: الدّور الإعلامي : هناك عدم تقدير لكثير من المعضلات ، فنأخذ بعض الأمور بالسخرية وبعضها بالانفتاح، وبعضها بالتشدد والغلوّ، وننسى – أو نتناسى – أنّ إيجاد الحلول مهمّة صعبةٌ كلما تأخرنا عنها، وتصبح مستحيلة ‘ إن أهملناها ردحًا من الزمن فأصابها العفن. لذا .. إعطاء الأولويات في حياتنا لهو دور مهم إعلاميًّا !! أما كيف؟ فهناك في بلدنا المفكرون من أولي العزم، ولهم سادسًا وأخيرًا:
سادسًا: إقامة مؤتمر أو أكثر: فيناقش ظاهرة (قتل الأسرة) من أفرادها، وإقامته في أسرع وقت ممكنٍ، ويكون المشاركون من المؤثرين إعلاميًّا ودينيًّا ، وليس بالضرورة أن يكون المؤتمر منمّقا وأكاديميًّا ورتيبًا، بل أن يكون جادّا وأكثر نفعًا، ولا يضرّه أن يكون عفويًّا. على أن يكون المؤتمر على عجالة وتتبناه الوزارات الموقّرة التالية: (وزارة الداخلية، وزارة الأوقاف، وزارة العدل، وزارة التربية والتعليم، وزارة الثقافة، وزارة التنمية، وزارة الصحة، وزارة الإعلام، وزارة الشؤون الساسية والبرلمان، الإفتاء العام ، مجلس النواب، بعض وجهاء العشائر). فيخرجون بتوصيات مفيدةٍ وتضع البلسم على الجرح. في مناقشة لأكثر جوانب القضايا المرتبطة بالجريمة المتكررة البشعة، والتي يجب على كلّ مواطنٍ أن يقف على بشاعتها، ويحذر ويحذّر منها. فنحن على كلّ حالٍ ننعم بوافر من الأمنِ والإيمان يمكنان العقلاء – وكثيرون هم – من إيجاد الحلول الناجعة والسليمة، وحماية المجتمع القوي بمنع دخول الضعف إليه بالتهوّر والجريمة.