ربما يكون موضع اعتبار لنا وباعث تدبر ان نعلم أن «الالمان» انشأوا جمعيات لغوية في النصف الاول من القرن السابع عشر الميلادي تهدف الى رعاية لغتهم الأم والحفاظ عليها من أية مؤثرات اجنبية. مثال ذلك «جمعية الثمار» التي اسست عام 1617م في «فايمار» التي وضعت نصب عينيها الاهتمام باللغة الالمانية الفصيحة وكيانها الحقيقي (الاصيل), وتحقيق أعلى مستوى من التعبير الادبي فيها. كما انشئت في هامبورج عام 1642م جمعية «اصحاب التفكير الالماني الخالص» للغاية نفسها أو لما هو قريب منها. وانشئت كذلك جمعية في «لوبك» عام 1656م للمحافظة على «نقاء اللغة», ولتحقيق اجمل انموذجات التعبير فيها.
وكان «مارتن اوبتيز» كما جاء في كتاب «عصور الادب الالماني» الذي صدرت ترجمته في سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية هو رائد هذه الحركة الادبية اللغوية التي استمر تأثيرها الى منتصف القرن الثامن عشر, وعكست اهتمام الالمان بلغتهم الفصيحة وبنقائها وبمستوى التعبير فيها.
وفي الحق أن الالمان قد بلغت بهم الحفاوة بلغتهم وعمق الاخلاص لها درجة عالية تمثلت في مئات المصنّفات الادبية والفلسفية التي بوّأتهم مكان الصدارة في الفكر والادب الاوروبيين, حتى ان اللغة الالمانية اذا ذكرت, ذكرت معها ذرى العقلانية الفكرية والابداع الادبي, على نحو ما نجد في أعمال جوته وشيلر وفيخته وهيجل وكانت وشلبنخ.. وغيرهم.. وهي هنا تذكرنا بالعربية الفصحى التي اشتملت على عيون الفكر والادب وألوان البيان, وكان من شأن غزارة تراثها الفلسفي والكلامي أن ارتبط اسم «العربي» في اوروبا باسم «الفيلسوف» وأن كان من أبعد غايات اذكيائها ان يتتلمذوا على العرب في جامعاتهم في الاندلس, وان يتخذوا من فلاسفتهم مراجع على نحو ما كان من فردريك الاكبر حين راسل «ابن سبعين» يستوضح مسائل بعينها من فلسفة ارسطو..
وما نريد هنا الحديث عن اثر العرب في اوروبا, ولكننا نريد أن نرى الى اهتمام الالمان, لأول نهضتهم الرائدة في اوروبا, بلغتهم الفصيحة والى حرصهم على نقائها وعلو التعبير فيها, وانشائهم الجمعيات الخاصة بذلك, وذلك لتنبيه المعنيين منا الى ضرورة ان يولوا لغتنا الفصحى ما تستحقه من اهتمام, وأن يسعوا سعيهم في تحقيق حضورها الفاعل في حياتنا الفكرية والادبية التي لا بد ان نعترف باتساع مسافة الحلف بينها وبين المستوى المرموق والسمت العالي الذي بلغته العربية, وبأن ثمة ألواناً من الركة ومن لحن التعبير والتفكير غالبة عليها تحت ذرائع شتى, وأن ذلك كلّه مما يستدعي قيام جمعيات أدبية لغوية بيانية تدفع الاذى عن وجه العربية الكريم, وتؤسس لنهضة حضارية تليق بها وتترجم عن فضائلها ومزاياها الفريدة.
نقول هذا آملين أن لا يكون صيحة في واد, وأن يظفر من العقول الذكية والارادات الخيرة بقدر من اهتمام أو لون من استجابة وتناد.