الدكتور محمد أحمد عواد وكتابه المتميز

تاريخ النشر : الثلاثاء 12:00 20-12-2016
699
ابراهيم العجلوني

يعلّمنا المدى الحصور الذي نطلق فيه احاديثنا في هذا «الافق» من صحيفة الرأي, أن لا ننساق مع رغبتنا في الكلام, وأن نعمد الى الايجاز, ولكن موضوع حديثنا اليوم يتطلب استفاضة قصيرة تجاوز هذه القاعدة التي ألزمنا أنفسنا بها.

موضوعنا اليوم هو واحد من اكثر كتب صاحب «الفلسفة المتوازنة» الدكتور محمد احمد عواد اهمية وأبعدها نفاذ نظر وقوى تحليل وذلكم هو كتابه الفذ: «ملامح العقلانية العلمية في التراث العربي الاسلامي» الذي صدرت طبعته الاول عن مركز الاصدقاء في عام (2001)م. في ثلاثمئة وثمانية صفحة من القطع الكبير.

وقبل أن ندخل في رحاب هذا الكتاب القيّم نحب أن نشير الى انه يعتبر انموذجاً على طرائق النظر العقلي والمنهج التحليلي التي اعتمدها فيلسوفنا العزيز في كتبه وابحاثه جميعاً, تلك الطرائق التي انتهت به الى مشروعه الكبير «الفلسفة المتوازنة» الذي انهى منه الى الان ما يقارب خمسة عشر مجلداً, والذي يعكس همة دؤوباً قلما تتوفر لأحد من المشتغلين بالفلسفة على هذا النحو الا اذا كان وراءها شخصية مختلفة جعلت المعرفة هاجسها الوجودي, والحقيقة مطلوبها الرئيس ورائدها.

واذ قد توخّى الدكتور محمد احمد عواد في كتابه/ الاطروحة, بيان «ملامح العقلانية العلمية في الفكر العربي الاسلامي» منذ مطلع القرن الثاني الهجري الى القرن الثامن الهجري, فقد مهّد لذلك بجملة من الاسئلة شكلت الاجابة عليها متن الكتاب وقوام اطروحته. من ذلك–مثلاً–الاسئلة التالية:

ما المقصود بالعلوم الاختبارية في الفكر العربي الاسلامي؟

وما هي أسس العقلانية العلمية في الفكر العربي الاسلامي؟

وما هي المنهجية العلمية التي انتج بواسطتها العلماء العرب المسلمون المعرفة الاختبارية؟

وهل امتد تأثير العلوم الاختبارية الى حقول مختلفة في التراث العربي الاسلامي.

وما هو اثر العلوم التجريبية على الخطاب الفلسفي؟ وهل تأثر بها الكندي والفارابي وابن سينا والغزالي وابن باجة وابن طفيل وابن رشد وابن حزم؟

وهل أسهمت العلوم الاختبارية في تكوين عقلانية علمية في حقول مثل: علم الكلام, والفقه, وأصول الفقه, والادب؟

وما هي السمات العامة للعقلانية العلمية التي نتجت عن العلوم الاختبارية؟

وفي الحق أن اجابات الباحث على هذه الاسئلة, والتي استغرقت خمسة أبواب وعشرة فصول, قد جاءت كفاء أهميتها وكفاء همته في آن, فقد بسط لنا, من دلائل حضور العقلانية العلمية في تراثنا ما يتضمن رسالة صريحة بضرورة استمرارها في واقعنا, كما أظهرنا منذ البداية على المعايير التي يجب توافرها لتحقيق العقلانية العلمية. وهي المعايير التي التزمها في تقييم أعمال رجال من حجم جابر بن حيان, وأبي بكر الرازي, وابن الهيثم, وأبي الفتح الخازن, والبناني, وهي–كما اوردها في مقدمة الكتاب–أربعة معايير:

أولاً: مبدأ حظر النشاط الميتافيزيقي على العقل (وهو المبدأ الذي أشار اليه الدكتور محمد احمد عواد مراراً في كتبه السابقة حين تحدث عن أبي القاسم المنطقي السجستاني) وينص هذا المبدأ صراحة على أن هناك حدوداً للعقل يجب عليه ان لا يتجاوزها (ويمكن هنا المقارنة مع الإمام الغزالي ومع عمانوئيل كانت) إذ أن مهمة العقل هي النظر في هذا العالم، فاذا قام بها أمكن له الوصول الى يقين ما، لكنه إن تجاوز حدود هذا العالم، فإنه لن يصل إلا الى الظن والتخمين. (وهذا يذكرنا بما أشار اليه الدكتور محمد في كتابات كثيرة من وقوف الوضعية المنطقية ممثلة بفدجنشتاين عند حدود «العالم الفعلي» وقصورها عن تناول «العالم الخارجي». ومن هنا يصر العقلاني العلمي على فرض هذا الحظر حتى لا يضل، بل يبقى فاعلاً في دائرته، أي في عالم المحسوسات بلغة ابن خلدون..

ثانياً: تكامل الحس والعقل في انتاج المعرفة، وأن المعرفة الصادقة هي موقف للذات الفردية بعقلها وحواسها المختلفة تجاه العالم، مع تحقق الابتعاد عما يقدح في سلامة الاستقراء والاستنباط من اعتبارات اسطورية او سلطوية او ايحائية او من تخمينات ظنية او انفعالات ذاتية.

ثالثاً: الموضوعية في النظر، إذ العالم مرتب منظم تحكمه العلاقات السببية الطبيعية، وأن الاستقراء والاستنباط معاً هما الوسيلتان الممكنتان لمعرفة القوانين التي تحكم هذا العالم.

رابعاً: الفصل بين الانساق المعرفية الثلاثة: الفلسفة والدين والعلم، على أرضية الاعتراف بشرعيتها جميعاً، على نحو ما نجد لدى الفيلسوف الفرنسي ديكارت وغيره من المعاصرين..

ولم يكتفِ الدكتور محمد أحمد عواد بتطبيق هذه المعايير الاربعة في بحثه المستفيض، بل يتبين لنا، بعد شرحه للمراحل الخمس التي ينطوي عليها المنهج التجريبي (من اعداد وملاحظة وفرض وتجربة، ثم خلوص الى القانون) الأسس التي اقام عليها العلماء العرب المسلمون منهجيتهم وهي التالية:

اولا: العلم نتاج انساني، وهو قضايا قابلة للتغيّر والتبدّل بحسب الامكانات المتاحة، ويمكن بفضل تطور الادوات ان نصل الى تصور اكثر اكتمالاً للعالم، وهو ليس مستمدا من عقل فعّال او اية كائنات خُرافية، وهو تصور لا يعارض الدين عندهم، بل ذهبوا الى ان علومهم تشهدُ بصدق الالوهية، وان لا تعارض بين الايمان والعلم.

ثانيا: يخضع العالم لمبدأ السببية، وهو نتاج الفعل الالهي ابتداء، والتفسير العلمي هو تفسير سببي، ويقوم على امكانية الوصول الى المعرفة من قبل الآخرين، ومن هنا اتسم بالموضوعية، فهو ليس جهداً ذاتياً غير قابل لان يدركه ويصل اليه الآخرون.

ثالثا: لا يهدف العلم الى تحقيق غايات نظرية فقط وانما يجب ان يسعى لتحقيق غايات عملية (فيكن علما نافعا) ولذلك ارتبط العلم بالعمل وثبت دوره في تطور المجتمع الانساني.

رابعا: ضرورة ان يتحلى العالم بالروح العلمية (الهاجس العلمي) التي تسعى الى ادراك الحقيقة لذاتها بعيدا عن الاهواء الذاتية والتخمينات الظنية والخرافات والمصالح.

ولئن كان الدكتور محمد احمد عواد قد اضاء لنا قواعد العقلانية العلمية في التراث العربي الاسلامي، وبعضا من ملامحها، فإن مما يمكن قوله في ضوء ما نعلم من استبصاراته والوان التحليل التي تجلّت في مشروعه الكبير: «الفلسفة المتوازنة: إنّ في عاصمتنا الحبيبة فيلسوفا حقيقيا يمكن لها ان تفاخِرَ به، وان تقدره حق قدره، إن كانت تجد الى ذلك سبيلا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }