لقد أبيت يا وطني الغالي إلا أن تكون قلعةً حصينةً عصيّةً أبيّةً على أعدائك وأعداء أمتك وأعداء الإنسانية، فلم تعد الأيام تتباعد إلا وموقف مشرّف من جنودك - وكلُّنا جنودُك - يسطّر للتاريخ أمجادًا تفخر به الجبال أكثر مما تفخر بقلاعها، كيف لا وهم اليوم يسطرون شموخًا وإباءً مِن على قلعةٍ من قلاع الوطن !! وهل الوطن إلا قلعةٌ يحوطها سياج القوة والتآلف والمودة والإخاء، فذلكم عطيّة من ربّ السماء. فلكم الله أيها الأبطال حين ارتقاء الشهداء لارتقاء الوطن.
بحُرقة القلوب.. نتساءل:
لقد تابع الأردنّ بكلّ أطيافه وأبنائه، حادثة الكرك الأليمة، ولكنّه -وبفضل الله تعالى- ما لبث الخبر أن ينتشر إلا وقد وصل خبر الانتهاء من الموقف الأليم بالسيطرة على مكمن الخطر، واحتواء الأعداء ووضعهم حيث يستحقون العذاب الأليم. فإنّ الذي تسوّل له نفسه ترويع الآمنين والاعتداء على الدنيا والدين، لهو خارجٌ عن نطاق الإنسانية، مجازفٌ بنفسه حيث حتفها، ويستحق أيضًا أن ينبذه الأقربون والأبعدون. فهل يعي أبناءُ الوطن أهمية تربية الأبناء على حبّ الوطن؟ وهل ننحي جانبًا كثيرًا من خلافاتنا الفكرية والقبلية غير ذلك، لنقف سدًّا منيعًا أمام السيل الجاهل الجارف؟ وهل يمكننا أن نتعلّم أنّ كلّ المشاريع تزول إن زالت قدم الوطن ؟ وهل عرَف أهل الأهواء أنّهم يدمرون لا يعمرون؟
موكب الشهداء يفوح وطنًا:
وإنّ هذه الحادثة التي بسبب التصرفات من أولئك الأشرار حين اعتدائهم على مقدّرات الوطن وما يحمل من معانٍ بالغةٍ، فأما الذين هبّوا دفاعًا عن سياج الوطن وبيضة الأمة، وجذور الآباء ومستقبل الأبناء، فالدموع تبكيهم من ناحية، والفخر بهم من ناحية أخرى، فهم موكب الشهداء الذي يفوح باعطر أرجاءَ الوطن، وهم الذين فارقوا الدنيا إلى جنان الخُلدِ، وهم الذين اختارهم الله من بيننا ليكونوا شهداء الحقّ والواجب، فواجبٌ علينا أن نكتب بماء العيون للعالم أننا فينا مَن يحيي به اللهُ قلوبَنا، ونتعلّم منهم معاني التضحية، فنكتب للإنسانيّة برقية فخرٍ بهم، ليتعلّم الآخرون أنّ اللهَ يسخّر أمثالهم، ليحمي به دينَه وأرضَه وعبادَه وبيوته ومساجده، إننا نعيشُ ليبقى ذكرُهم والدعاء لهم، فهم الذين لم يترددوا عن بذل الأرواح، فلن نتردد عن مواصلة المسير على طريقهم ونهجهم، بإيمانٍ منا بأنّ الله بالمرصاد لكلّ المتخاذلين الذين يحلمونَ في تحقيق مآرب لهم، جاءتهم على حين غفلةٍ فيظنون أنهم منجزوها، وأنّى لهم والله يحمينا في بلادٍ يرفع في مأذنها الأذان ويتلى في محاريبها القرآن.
تعازي أم تهاني !! :
لكلّ مَن فقدَ مجاهدًا وشهيدًا في هذه الحادثة الأليمة، نقدّم لهم التعازي، بل نقدم التعازي لأنفسنا، فنحن الأب والأخ لكلّ شهيد ومجاهد، بل إنّنا نهنئ ذويهم على التحاق أولئك الأبرار ممن دافعوا عن الوطن، حين التحقوا بمواكب الشهداء شافعين مشفَّعين يدخلون الجنة بلا حساب ولا سابق عذاب، بذلوا الأرواح رخيصةً فاشترَوْا بها أغلى سلعة، فعزاؤنا الوحيد بفقدكم أيها الأبطال من الجنود والشرطة ومن المواطنين الذين تفانوا من أجل تقديم الواجب.. عزاؤنا: أن اللهَ يرحمكم ويغفر لكم ويجعلكم بالفردوس الأعلى برفقة نبيّنا وسيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم. وأن يلهمنا ويلهم ذويكم الصبرَ والسلوان. ودعاؤنا إليكم يا معاشر الأبطال. ونسأل الله الشفاء العاجل لكلّ المصابين الأبطال.
عبثٌ وإفساد.. ودعوة إلى الاستقامة:
ويبقى السؤال المتكرر: حتى متى يبقى أصحاب الفكر المعوجّ الضّالّ في التجاوز للقانون؟ وماذا يريدون؟ وهل تستقيم النفوس النبيلة حين العبث والإفساد؟. فإذا كانوا يريدون الإسلام.. فها هي منارات العلم في بلدنا وفي العالم الإسلامي، فليتعلّموا قبل أن يفتوا أنفسهم بدماء الأبرياء (ولات حين مناص) فلا فسحة لهم بقتل الأبرياء والجهل لا يفيد في مواطن الغفلة، والنية الحسنة - إن وجدت عند أحدهم-فلا تفيد في الأعمال القبيحة، وهل هناك أقبح من قتل الأبرياء من المسلمين والآمنين؟. فأما الإسلام فبريء ممن يدّعون أفعالًا ليس فيه تأصيلٌ شرعيّ لها، بل ينهى عنها بعموم وخصوص، فأين هي من الإسلام؟. وأما الأردن فحصنٌ منيعٌ فاحذروا من مغبة الاعتداء عليه.. والله يحمينا ويحميه. كما أنه: (وعند الله تجتمع الخصوم). فكم من آمن تروعونه وكم من يتيم وأرملة كنتم سببًا لمآسيهم؟ وتعلموا أيضًا: أنّ الحقّ بين فاتبعوه وكذلك الضلال فاجتنبوه (وماذا بعد الحقّ إلا الضلال)، وباب التوبة مفتوح، ولكن قد يُحرم منه المتجاوزون لحدود الله فلا تقربوا حدودَ الله.
الوطن أكبر درس:
فليرجع الجميع إلى الصفّ ولنجلس على مقاعد الدرس لنتعلم معنى كلمة: (الوطن). ومن معانيها: حبّ ووئام وجما الروح والنفس، أغلى ما نملك وأغلى ما نملك نقدمه إليه، كيف لا!! ونحن منه وهو منا. كيف لا !! وعليه نتنفسُ الهواء لنحيا بذكر الله عليه، وعلى ترابه نسجد لله عبودية، ونسجد لله شكرًا أن جعل لنا وطنًا مباركًا يأتيه الخير من قرآن فيه يتلى، وعلم فيه ينتشر ورجالٌ فيه يعيشون وأفذاذٌ وأبطالٌ به يسمو، وأبناءٌ ينتظرون غدًا واعدًا.. فلنكن صفًّا واحدًا وقلة منيعةً.. بمثل الكرك وأبناء الكرك، وبمثل الأردن وأبناء الأردنّ يحيا جيلٌ.. تعيش أمة.
قلعة الشموخ.. الكرك: ارتقاء الشهداء لارتقاء الوطن
12:00 20-12-2016
آخر تعديل :
الثلاثاء