كتاب

نحن.. وإيران !!

حتى بعد حرب الثمانية أعوام العراقية – الإيرانية، التي هي بإستثناء الإستثناءات المعروفة حرب عربية – إيرانية ، فقد كان بالإمكان فتح صفحة جديدة مع إيران التي من المفترض أنها دولة ليست صديقة وفقط بل شقيقة وعلى أساس أن ما يجمع العرب بها أكثر كثيراً مما يفرق وإن التمازج الثقافي والحضاري بين هاتين الأمتين العريقتين في إطار الإسلام العظيم من المفترض أن يصمد أمام «عاديات الزمن» وأن يكون الأرضية الصلبة لحل بعض الخلافات والمشاكل الطارئة وإنطلاقاً من أنَّ حتى العائلة الواحدة لا بد من أن تواجه، ليس في بعض الأحيان وفقط بل في الكثير من الأحيان، بعض «الإشكالات» التي يتم حلها بالتفاهم والتنازلات المتبادلة.

إن هذا هو المفترض ولكن بما أنَّ ليس كل مفترض بالإمكان أن يصبح واقعاً يحكم علاقات أمتين عريقتين كان ولا يزال قدرهما أن تكونا متجاورتين وأن تكون الحدود الجغرافية، بحرية وبرية، بينهما متداخلة فإنه لا يجوز ترك الأمور تسير في هذه الإتجاهات الخطيرة التي تسير فيها الآن والتي إنْ هي تُركت لأمزجة المتطرفين، الذين بادروا إلى التطلع إلى ما خلف حدود بلدهم مع الجوار العربي فور إنتصار الثورة الإيرانية في فبراير (شباط) عام 1979 ، وأيضاً لألاعيب الدول الكبرى التي ولا تزال لها أطماع كثيرة في هذه المنطقة التي رغم قناعات الرئيس الأميركي (الراحل) باراك أوباما لا تزال منطقة مصالح حيوية ليس للغرب وحده وإنما أيضاً للعالم بأسره.. وهنا فإنه علينا أن ندرك أن مسارعة روسيا للتدخل «الإحتلالي» في الأزمة السورية لم تكن لا حباًّ ببشار الأسد ولا حرصاً على نظامه وإنما خدمة للمصالح الإستراتيجية الروسية في الشرق الأوسط كلِّه.

وحقيقة، وهذه الحقيقة يجب أن تقال الآن، أن حرب الثمانية أعوام قد كانت من قبل العراق حرباً دفاعية فالثورة الإيرانية المنتصرة بادرت فور عودة الإمام الخميني من فرنسا بطائرة فرنسية وفور أن وطأت أقدامه أرض مطار «مهرآباد» إلى رفع راية عبور الحدود في إتجاه الغرب وبحجة أنَّ هناك مراقد أئمة ومقامات مقدسة وذلك مع أن هذه المقامات وهذه المراقد يجب أن تجمع ولا تفرق وذلك على إعتبار أنها للمسلمين كلهم وأن تعلق أهل السنة بها لا يقل بل ربما يزيد عن تعلق الشيعة وهذا على إعتبار أن كل المسلمين «يتشيعون» لآل البيت الأطهار ويقدرونهم ويحترمون مكانتهم وأدوارهم في المسيرة الإسلامية.

في كل الأحوال لقد كان بالإمكان أن تكون هناك وقفة جادة ومن كل الطرفين بعد حرب الثمانية أعوام المكلفة والمدمرة وكان بالإمكان أن تصبح الحدود المشتركة أبواباً للتواصل وإستعادة العلاقات التاريخية التي حققت إنجازات حضارية عظيمة للبشرية كلها ونوافذ للتبادل التجاري لكن هذا وللأسف لم يحدث بل وأن «إخوتنا» قد وقعوا في الشرك الأميركي عندما إندفعوا بكل قواهم العسكرية و «الميليشياوية» لملء الفراغ الذي ترتب على إلغاء الدولة العراقية كدولة وهدم مؤسساتها وحل جيشها وأجهزتها الأمنية الأمر الذي ترتبت عليه كل هذه المآسي التي نراها الآن.

وهكذا ولعل الأخطر أن «إخوتنا» الإيرانيين قد إنقادوا لـ»الإستدراج» الأميركي وبدل أن يكتفوا من الغنيمة بالإياب ويتركوا العراق لإهله ويعودوا لبلادهم سالمين غانمين ذهبوا بعيداً في الإنقياد لهذا الإستدراج بتورطهم بالتدخل العسكري و»الميليشياوي» في سورية وكل هذا وهم يعرفون أنَّ المقصود هو وضعهم على منصة الإعدام وهنا فإنه على عقلائهم أن يدركوا معنى نوايا الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب وتهديداته بإلغاء إتفاقية النووي التي كانت أبرمت مع باراك أوباما ومعنى أن يشكل الجنرالات الأميركيون السابقون المعادون لإيران عنوان هذه الإدارة الأميركية الجديدة ؟... ألا يستدعي هذا يا ترى أن يسارع العقلاء في طهران إلى «لملمة» أوضاعهم الإيرانية وإلى المسارعة لإنهاء كل تدخلاتهم المتمادية في الشؤون الداخلية للعديد من الدول العربية.. وإلى مدِّ أيديهم في إتجاه أيدي العرب الممدودة إليهم بكل طيبة وصدق.. ومن أجل العودة إلى تلك الأيام الزاهية العظيمة عندما كان هناك كل ذلك التكامل الحضاري بين أمتين عظيمتين.. يجمعها الإسلام العظيم ؟!.