يذكرنا ربيع الأول في كل عام بميلاد المصطفى صلوات الله وسلامه عليه،إن الدارس للتاريخ بتجرد وواقعية، يرى أن ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم كان ميلاد أمة، وبعث حضارة، وبزوغ فجر جديد أطل بالخير واليمن والبركة، نعم الناس فيه بنعمة الإيمان، وتفيأوا ظلال المحبة والأخوة، والمساواة، فكانوا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها ما زاغ عنها إلا هالك.
لقد بعث محمد للناس كافة، وللعرب خاصة، فأنقذهم الله به من الضلالة إلى الهدى، ومن الجهالة الى العلم والمعرفة، ومن الفرقة والخصومة، إلى الوحدة والوئام، ومن التبعية الى قيادة البشرية، فأصبحوا سادة قادة، بعد أن كانوا رعاة إبل وماشية.
وهذا هو حال أمتنا كلما تمسكت بهدي نبيها، وسارت على دربه وسنته، ولما تنكبت طريقه، وخالفت أمره هانت وذلت، وتفرقت، وأصبحت شيعاً وأحزاباً يتقاذفها الأعداء من كل جانب.
إن المتتبع لواقعنا في العالم العربي والإسلامي لا يمكنه إلا أن يحس بالألم والمرارة والخذلان للواقع العربي والإسلامي من المحيط الى الخليج.
واليوم تعود ذكرى هذا المولد، بعد أكثر من أربعة عشر قرناً، مضت منذ أن حمل الوحي الى هذا النبي الأمي رسالة السماء ليكون رسول إنقاذ الإنسانية من الجهل والجهالة، وليبني اسس سلام انساني يقوم على الحقيقي من عدالة ومساواة وحفظ حقوق مرسومة بإرادة الخالق لهذا الإنسان والمدبر لأمره، العالم بغيبه، الهادي الى سبيل رشده ورشاده،عبرعقيدة كاملة واعية لحقائق هذا الكون، مدركة لاحتياجات إنسانه الحقيقية المنظمة لمكونات حياته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في إطار روحي يحقق توازناً لا تستقيم الحياة بدونه ولا تقدر الإنسانية على مواجهة شر الإنسان إلا باسلحته، كل هذا عبر منظومة قيمية إنسانية تتبنى الخلق الإنساني الحقيقي.
كان عليه الصلاة والسلام منذ الولادة وحتى لحظة النبوة والرسالة النموذج، متكامل البنية الأخلاقية والفكرية التي انتجت حكمة احاطت بكل ما صدر عنه إلى أن اكتمل الإنسان فيه بالرسالة السماوية التي جعلته «رحمة للناس» ووصفته بأنه «بشير ونذير» وأكدت أنه «للناس كافة» أن هذه العناصر الثلاثة وحدها تكفي لتجعل منه عليه الصلاة والسلام الفرد الذي وضع علامة بارزة على طريق حياة الإنسان فكان لهذه الطريق عند لحظة ولادته عليه الصلاة والسلام قبل – أي قبل الولادة وبعد – أي بعد البعثة حين بدأت أولى خطوات مسيرة بناء حضارة إنسانية عظيمة كان عنوانها «الحضارة الإسلامية» وبقي هذا العنوان بارزاً في مسيرة الحضارة الإنسانية.
واليوم.. ها هي ذكرى ذلك المولد تعود مع توالي السنين نستذكر سيرة النبي ونطالع إنجاز الرسول، ونعيد قراءة الحضارة الإنسانية التي صنعها اولئك الرجال المؤمنون حقاً، الذين سكنت قيم العقيدة الإسلامية السليمة الصحيحة كما جاءت من السماء قلوبهم، لنبحث في ثنايا واقع الأمة الإسلامية.
إن مولد خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم شكل ميلاد أمة كانت وستظل خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتواصل دورها النبيل في خدمة البشرية جمعاء ، مستندة إلى رسالة المصطفى صلى الله عليه وسلم بمفاهيمها السمحة لتخرج البشرية من دياجير الظلام إلى نور الهداية الربانية. وإن مولد الرسول الأعظم الهادي الأمين محمد بن عبدالله صلوات الله وسلامه عليه، امتلأت الدنيا نوراً وهداية فجاءت تعاليم الإسلام السمحة ليعم معها السلام والخير والمحبة والعدل بين الناس أجمعين.
إن ذكرى مولد الرسول الكريم النبي العربي الهاشمي تبعث في الناس مشاعر الفخر والإعتزاز بالقيادة الهاشمية التي تمثل الإمتداد الطيب المبارك بالنسب الطاهر بصاحب الذكرى عليه أفضل الصلاة وازكى التسليم مستشرفين من عبق هذه الذكرى التضحيات التي قدمها الهاشميون منذ بزوغ فجر الإسلام العظيم، ومواقفهم النبيلة والمشرفة في الدفاع عن الدين الإسلامي وعقيدته السمحة وقضايا الأمة برؤى عربية إسلامية تجسد صورة الإسلام السمحة والعادلة. وإن الخير ابتدأ بآل بيت المصطفى وأنه بهم سيستمر إن شاء الله وعلى أيديهم ستحقق الآمال والطموحات لقوله عز وجل: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).