اغضب سقراط رجال السياسة بما اثبته من تنكبهم للحكمة في كثير مما يبدئون ويعيدون فيه, واغضب الشعراء بما اثبته من غرورهم او اغترارهم ببضاعتهم المزجاة, واغضب جموع الشعب أو «الجماهير» بما أبداه من ايمان واثق بما يتجاوز معتقداتهم الموروثة. وكان حصاد الغضب من هذه الاطراف كلها ان حوكم من رجالات الحزب الديمقراطي الذي يدّعي تمثيل ارادة الشعب وحكم عليه بالاعدام.
لقد بدا لسقراط, الذي وصفته عرافة دلفي بأنه اكثر الاغريق معرفة لأنه اكثرهم ادراكاً لجهله, ان اوسع الناس شهرة كانوا في ظلمة مطبقة من الجهل, على حين كان اولئك الذين يعتبرهم الناس دونهم أمهر منهم بكثير في استعمال عقلهم العملي. ولما كان اولئك المشهورون هم تحديدا رجال السياسة الذين يتولون زمام الامور فقد اثار سقراط حفائظهم.
ثم انه توجه صوب الشعراء من غنائيين ودراميين وغيرهم, معتقداً أنه سيجد لديهم ما لم يجده لدى مشاهير الساسة, وأخذ يقرأ أعمالهم, ويحاورهم حول ما اشتملت عليه, فاذا هو ينتهي الى ان الحكمة ليست هي التي تمكنهم من نظم الشعر ولكنها الغريزة والالهام واشياء مما نجده عند العرّافين, ناهيك بادّعائهم الفهم في جميع المواضيع على حين يجهلونها كما يقول جهلاً مطبقاً.
وظل سقراط يحاور فئات المجتمع الاثيني بحثاً عما يمكن أن يفيده من حكمة حتى تبين له ان منهجه الحواري مفض به الى ان يكون موضع سخط وعداء حقود لجوج, والى ان يتوافق العامة (الدهماء) والخاصة على اعتباره «مهرطقاً» ومفسداً للشبيبة, فكان بين أمرين لم يتردد في اختيار اقربهما الى نفسه الباحثة عن الحقيقة والتي لا ترتضي بديلاً عنها. فإما الملق والادهان اللذان يضمنان له السلامة, واما المضي في نهجه في نشدان الحكمة وايثارها, وان كان «الموت» هو النتيجة المؤكدة لذلك.
لقد اجتمع على سقراط غضب الرأي العام الذي كان لا يتورع عن اتهامه بالجهالة والغوغائية, وغضب «الديمقراطيين» الذين اتهموه بأرستقراطية الفكر, واتهمهم هو بالجهل وغياب الحكمة, كما كان لاسلوبه في الحوار وقوة منطقه وبلاغته ولغلبته الظاهرة على خصومه, وللسخرية الكامنة في منهجه الحواري.. كان لكل ذلك اثره في مصيره المشؤوم الذي ذهب مثلاً لما يكابده المفكرون والحكماء والمصلحون حين يتظاهر الجهل والفساد والغباء في قهرهم والتنكيل بهم, أو في دفعهم الى العزلة والصمت في كثير من الاحيان.
لقد كان آخر ما قاله سقراط لتلاميذه قبل أن يواجه الموت, وقد بدا عليهم الفزع: إن على المرء ان يواجه نهايته بعقل مطمئن هادئ, فليسكن روعكم.. ولتكونوا شجعاناً..
ولقد كان يمكن لسقراط أن ينجو بنفسه وأن يتجنب الكأس التي شربها, وأن يلتمس لنفسه في ذلك التعلّات.. ولكنه آثر ان يقيم مثلاً ويحقق انموذجاً.. ولولا ذلك ما كنا نذكره بكل هذا التبجيل بعد مرور اكثر من ألفين وخمسمئة عام على محاكمته.. وقتله.