حين نشر صحافي مجلة اتلانتك الاميركية جيفري غولبرغ تفاصيل لقاءاته الطويلة مع الرئيس الاميركي باراك أوباما، تحت عنوان «عقيدة اوباما»، كان يسعى للحديث عن «إرث» أوباما التارِك, يقول منتقدوه كما المعجبون به:انه لم ينجح في ترجمة الوعود التي بذلها خلال حملتيه الانتخابيتين الاولى كما الثانية، رغم انه كرّس نهجاً يقوم على عدم الإنخراط بمزيد من الحروب التي شنتها واشنطن وبخاصة في عهد المحافظين الجدد تحت شعار «نشر القِيَم الديمقراطية وإسقاط الأنظمة و»بِناء الدول» وغيرها من المصطلحات المغسولة التي يبرع في تسويقها الاميركيون، لكنهم يفشلون في ترجمتها على أرض الواقع, لأن ما يهمهم من سلوكهم طريق العربدة والغطرسة والاستعلاء هي إبقاء واشنطن مركزاً وحيداً للقرار الدولي, وعلى الدول الاخرى كما الشعوب التسليم بـ (القَدَر الاميركي)، الذي لا رادّ له, إلاّ القوة العسكرية وفرض العقوبات والحصار, ودائماً في الحملات الاعلامية والضغوط المختلفة التي تُشيّطِن مَنْ هو في موقع «المُتَهَم» والخارج على القانون والقابع في معسكر الشر, الذي يتّخِذ الارهاب وسيلة لتحقيق أهدافه.
ما علينا..
التوتر الذي تعيشه العلاقات الاميركية الروسية, فرض نفسه على المشهد العالمي وبخاصة في السنة الاخيرة التي اعقبت الانخراط الروسي في الأزمة السورية (30 ايلول 2015) وإن كانت الأزمة الاوكرانية التي توَلّدت عن انقلاب القوى الفاشية الاوكرانية المدعومة من واشنطن وحلف شمال الاطلسي وبعض دول الاتحاد الاوروبي، على الرئيس الاوكراني المُنتخَب فيكتور يانوكوفيتش, قد ألقت بظلالها على علاقات الكرملين بالبيت الابيض وبخاصة بعد استفتاء آذار 2014, الذي اسفر عن تأييد اغلبية ساحقة زادت على 98% لعودة شبه جزيرة القرم الى الوطن الروسي.. الأم.
واذ لم تنجح الادارة الاميركية في اخفاء تورطها في دعم الجماعات الارهابية المختلفة التي تعيث فسادا وخراباً وقتلاً في سوريا، حتى عندما تم اختراع مصطلح الجماعات المعتدلة وتلك المتطرفة، فانها دأبت على إفشال كل محاولات الفصل بين هذه الجماعات، وخصوصاً بعد سقوط اتفاق كيري لافروف الشهير الذي كشف – ضمن امور اخرى – ان ادارة أوباما – كيري, كانت تشتري الوقت وتستفيد من الهُدَن المُعلَنة، كي تمنح الارهابيين فرصة لالتقاط انفاسهم وتجميع صفوفهم وتعويض اسلحتهم وعتادهم والاستعداد لجولة جديدة، في رهان مفضوح من واشنطن وأنقرة وبعض العرب، على تعديل موازين القوى الميدانية, بهدف تحسين شروط التفاوض والمضي قدُماً في مشاريعها لِإسقاط الدولة السورية وتعميم الفوضى فيها، تمهيداً لتقسيمها ورسم خرائط جديدة للمنطقة بأسرها.
فشلت كل المحاولات الاميركية, وبات التهرب الاميركي من الالتزامات المكتوبة ظاهراً للعالم بأسره (حتى لا نُكرِّر مصطلح المجتمع الدولي المُزيّف والمُصطنَع) فكانت الكلمة لموسكو ودمشق ومعهما طهران, وراحت «الميادين» تتحدث بصخب و بدأت ملامح الهزيمة بالبروز والتشكُّل, ترافق ذلك كله مع فوز دونالد ترامب, الذي وإنْ جاء من وَسَطٍ لا علاقه له بالسياسة، او لنقل جاء من خارج المؤسسة (الإستبلشمنت) الاميركية, الا انه له وجهة نظر «ما», في ما يحدث في العالم وما أحدثته سياسات سابقيه من الرؤساء وبخاصة مَنْ حَمَلَ منهما الرقم (43) بوش الابن, وبالذات «الحالي» صاحب الرقم (44), الذي لم يَترُك إرثاً يُعتّدُ به’ رغم انه مُنِح جائزة نوبل للسلام, لكنه فشل في تكريس مُثُل السلام وقِيمِه وكان دائم الحديث عن «الاستثنائية الاميركية» التي تفوح منها رائحة الاستعلاء والغطرسةوالعدوانية.
الى اين من هنا؟
في الاول من كانون الاول الجاري, «فاجأ» الرئيس بوتين العالم بوثيقة حملت اسم «رؤية السياسة الخارجية الروسية», قَرَأَها بتفاصيلها ولم يترك مجالاً للتخمين أوالتأويل أو الغموض, فَصّْلَ فيها المسألة السورية, وقالت بعناوين «صارخة»: إن موسكو متمسكة بحل الازمة السورية على اساس ضمان «وحدة البلاد واستقلالها وسلامة اراضيها» ولم تنس الاشارة الى» ان تسوية النزاع في سوريا يجب أن تعتمد على الوثائق التي تبناها المجتمع الدولي بهذا الشأن», مُصَنِّفَة سوريا الغد «كدولة علمانية ديمقراطية وتعددية».. ما يقطع الطريق نهائياً على اي محاولة للذهاب في غير هذا الاتجاه تحت طائلة المواجهة.
واذ اكدت الوثيقة الى «أن تنامي التهديد والارهاب الدولي, يغدو من اخطر جوانب الواقع العالمي, ما يستدعي تشكيل تحالف دولي واسع على اساس قانوني راسخ وتعاون فعال ومُنظَّمٍ بين الدول, بعيداً عن أي تسييس او معايير مزدوجة, يجب أن يصبح اتجاهاً رئيساً في محاربة الارهاب», فإن «الوثيقة» لفتت الى مسألتين هما–في ما نحسب–الاكثر خطورة واهمية سواء في ما خص علاقات موسكو مع «الناتو»: أن روسيا لا تقبل ممارسة ضغوط عليها, سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو غيرها, مع احتفاظها بحق الرد «القوي» على تصرفات عدائية تجاهها, بما في ذلك تعزيز امنها القومي, أم في شأن علاقاتها مع واشنطن والتي تُلخَّص في ما يلي: «روسيا تنطلق من ان التطور المتنامي والقابل للتنبؤ في الحوار مع الولايات المتحدة, مُمكِن «فقط» على اساس المساواة واحترام المصالح المتبادلة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية. لكن ما يكتسب اهمية اضافية في الوثيقة التي يمكن بالفعل وصفها بـ «عقيدة بوتين» هو تأكيدها على «ان موسكو عازمة على (مُقاوَمة) اي محاولات للتدخل في شؤون الدول, بهدف تغيير السلطة فيها بطريقة غير دستورية».
هل تعي ادارة ترامب... حجم وطبيعة «العقيدة» الروسية الجديدة؟
.. الايام ستقول.