كتاب

شجار الجامعات وشغبها: الحـل هـو الحياة الحزبية

كنت طالباً في الجامعة الأردنية، وإنْ لفترة قصيرة، وكان الرئيس يومها أستاذ الأجيال ناصر الدين الأسد الذي كان مربياًّ كبيراً أكثر منه معلماً وكان عدد الطلاب في الإختصاصات والصفوف كافة لا يصل إلى الألف والخمسمئة، على ما أعتقد، وكان يومها العمل الحزبي السرِّي في ذروته وكانت المقاومة الفلسطينية ممثلة بحركة «فتح» قد انطلقت تواًّ، في الفاتح من عام 1965، وهكذا فإن المنافسة بين الطلاب كانت حزبية وسياسية مع أن غالبية الطلاب كانت تنتمي للعشائر الأردنية وعلى اعتبار أن كل الأردنيين ، ومن كافة الأصول والمنابت، كانوا عشائر .. وربما ما زالوا.

كانت الأحزاب البارزة في الجامعة الأردنية في تلك الفترة المبكرة هي: أولاً حزب البعث العربي الإشتراكي الذي كان لا يزال موحداًّ ولم يتحول بعد إلى سوريٍّ وعراقي وثانيا حركة القوميين التي لم تصبح بعد الجبهة الشعبية والجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين أمّا الثالث فقد كان الحزب الشيوعي الذي لم يكن يشكل أي ثقل وأي وجود فاعل.. أو هكذا كنا نعتقد... أما الأخوان المسلمون فإنه لم يكن لهم أي وجود وذلك مع أنهم شكلوا القوة الرئيسية بين الطلبة وبين المعلمين في فترة متأخرة وعلى اعتبار أن هؤلاء قد استغلوا المواقع القيادية (الحكومية) التي كانوا قد تبوؤوها وبخاصة في الوزارات المعنية وعلى رأسها وزارة التربية والتعليم.

كانت المنافسة شديدة بين البعثيين والقوميين العرب كانعكاس للخلاف بين حزب البعث الذي كان قد وصل إلى الحكم في سوريا في عام 1963 وبين الرئيس جمال عبد الناصر على خلفية إنهيار «وحدة» عام 1958 المصرية–السورية وأسباب ومسببات انهيارها لكن هذه المنافسة لم تشهد في ذلك العام وقبله وبعده ببضعة أعوام أياًّ من هذا الذي رأيناه قبل بضعة أيام والذي بقينا نشاهده على مدى سنوات هذا القرن ونهايات القرن الفائت.

كنت يومها مسؤول التنظيم الطلابي البعثي في الجامعة الأردنية وكانت التعليمات الصارمة أن يكون «الحوار» والمزيد من الحوار عنوان التنافس بين البعثيين و»الناصريين» المنتمين إلى حركة القوميين.. وبالطبع مع الشيوعيين على قلتهم وهنا فإنني ليس أكاد أجْزم بل أجزم أنه لم تحدث أي مواجهة بين أي طرف وطرف آخر إلاّ بالكلام وإلاّ بالإشتباك الحواري وأعتقد أنَّ من بقي حياًّ من تلك الأجيال يذكر أننا كنا نتعامل كأصدقاء ولقد كنت وبخاصة في فصل الشتاء وعندما كانت تقطع الثلوج طريق عمان أقضي ليلة أو ليلتين في منزل كان يسكنه طلاب معظمهم «قوميون عرباً» من منطقة جنين .

كان لدى الدكتور ناصر الدين الأسد رحمه الله الرحمة الواسعة معلومات وافية عن التشكيلات الطلابية الحزبية في الجامعة وكان في مناسبات معينة «يستدعيني» إلى مكتبه ليبلغني بلطف وليس ليطلب مني أن لا نبادر إلى أي تشويش وبخاصة عندما يكون هناك زائر للجامعة إن من الداخل وإن من الخارج وكان أنْ أنبَّني بلطف ذات مرة لأن بعض الطلاب قد اعترضوا طريق سمير الرفاعي رحمه الله عندما كان رئيساً لمجلس الأمناء.. ويومها كان «رفيقنا» الكبير عبدالله عقروق الذي كان يشرف على إدارة مكتبة الجامعة حاضرا عندما تناولت قرآناً كريماً «مصحفاً» وأقسمت ويدي اليمنى فوقه بأنْ ليس بين هؤلاء «المشاغبين» بعثي واحد .

ما أريد أن أقوله هو أنه كان خطأٌ فادحٌ ألاّ يُسمح لطلبة الجامعة الأردنية والجامعات الأخرى بالإنتماء الحزبي فهذا هو ما جعل أبناءنا يتجهون إلى الإنحيازات العشائرية والقبائلية والجهوية والمعروف أن المفترض أن الخلافات الحزبية أدوات حلَّها الكلام والحجج المقنعة بينما الخلافات ذات الطابع العشائري أو الجهوي أدواتها «القناوي» و»الحجارة» وفي بعض الأحيان الرصاص والمسدسات.. وهذا عيب وعارٌ وبخاصة في الجامعات والمؤسسات العلمية والتعليمية .