ما كان اشد الخصومة الادبية والفكرية والسياسية بين طه حسين وعباس محمود العقاد، لكن ذلك لم يمنع ان ينصف احدهما الاخر من نفسه ومن الاخرين.
كان طه حسين دستوريا (في حزب الاحرار الدستوريين) وكان العقاد كاتب حزب الوفد الاول. وكان بين الحزبين ما كان.
وكان الكاتبان الكبيران كلاهما عضوين في «مجمع اللغة العربية» وكانا كثيرا ما يختصمان وتقوم بينهما المشادات.
لكن ذلك كله لم يمنع أيّاً منهما من الاعجاب بما يكتب الآخر، ولم يمنع ايا منهما من مناصرة خصمه الادبي في المواقف التي تقتضي الانصاف.
وحين فجع العالم العربي بوفاة العقاد الذي توفاه الله عن مئة واربعة عشر كتابا هي عمره الباقي بعد رحيله كتب طه حسين مخاطبا العبقري الراحل: «وما ادري عن اي جانب من جوانبك يمكن ان يتحدث الذين يأخذون في رثائك او في الترجمة لك. عن نضالك السياسي الذي لم يعرف هوادة ولا لينا ولم تصرفك عنه الحوادث ولا الخطوب ولم يثنك عن المضي فيه رغب ولا رهب، ام عن تجديدك في الادب شعرا ونثرا ونقدا، ام عن تعمقك التاريخ الاسلامي واتقانك تصوير اعلام الاسلام، ام عن اقتحامك لمشكلات الفلسفة نفوذك الى لُبّها، ام من تزودك من العلم على اختلاف ألوانه حتى ناظرت العلماء المتخصصين والمتفوقين، ام عن نفسك السمحة وروحك العذب وذوقك الصفو، ام عن خُلقك الكريم وسيرتك النقية، ام عن وفائك للصديق وانصافك للخصوم، ام عن ايثارك للكرامة وحرصك عليها ومبالغتك في هذا الحرص؟.
ذلك جانب من رثاء طه حسين للعقاد او من رثاء الكبير للكبير، وهو بقدر ما يعكس عظمة الفقيد فانه يعكس صدق المنتقد ورحابة نفسه كم يقدم لنا أُنموذجاً من «الاخوة الادبية» قلّما نعثر له على نظير فيما نقرأ من تراجم القدماء والمحدثين، وهو أُنموذج نفتقر اليه في واقعنا الثقافي اشد الافتقار.
ان مما غبر العهد به واستقرت المواضعات عنده وركنت الاحلام اليه ان لا احد يعترف لاحد بفضل وان استحقه بسهر الليالي ومكابدة التحصيل، وان من شأن ذي الكفاية او العبقري ان يكون مستهدفا للكيد او نكاية الحاسد إذا حسد، وان هذه الحال لتذكرنا ببعض ما قرأناه في دواوين الادب من قول هارون الرشيد لعبدالملك بن صالح اذ كثرت الدسائس والسعايات فيه عنده: «لقد نقص القوم وفضلتم وتخلفوا وسبقتهم، حتى برز شأوك، وقصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلف وحزازات التبلد».
ولقد صدق الرشيد وجاء بالحكمة صافية مَجْلُوّة، اذ لطالما اشتغلت في المتخلف رغبة تحطيم السابق وتسعّرت حزازة البليد وهو يرى الى مواهب من انعم الله عليه برجاحة العقل وجمال الادب وتوقد الوجدان.
الكبار، اذن، هم من يقدرون الكبار حق قدرهم، ولا يبخسونهم، ما ينجزون، ولا يحسدونهم على ما يبتنون.
ولقد كان لنا من شهادة طه حسين في رصيفه ونديده وخصمه السياسي والادبي مثل فريد على هذه الخليقة التي نحب ان تعاود الحضور في حياتنا الادبية والاجتماعية والسياسية. وكم نود لها ان ترسخ في ضميرنا رسوخا، وان يكون لها – بما هي مطلب العقل والعدل معا – من يمثلونها خير تمثيل ولا يعطونها – بأي دافع – اي تعطيل.