مع تنامي ظاهرة الإرهاب خلال العقود الأخيرة ظهرت مقتربات عديدة لدراسة موضوع الإرهاب وهوية الإرهابي وبصرف النظر عن الإشكالات والتعقيدات المتعلقة بتعريف الإرهاب وماهية الإرهابي وتكاثر التعريفات التي تكاد أن تحيله إلى مصطلح ذاتي غير موضوعي يقدم حقل علم النفس العديد من الأطروحات والأفكار القيّمة لتعزيز الأمن الإنساني ويعتبر مجال علم نفس الجماعات الإرهابية من أهم مجالات الاهتمام الأكاديمي المؤثرة في هذا السياق نظرا لانتشار الجماعات الإرهابية على نطاق واسع في العالم عموما والشرق الأوسط خصوصا حيث تتنوع أشكال الإرهاب من الديني إلى العلماني وتسعى المقتربات النفسية إلى محاولة فهم سيكولوجية الإرهابي وتحليل شخصيته وتركيبته العقلية ومعرفة الدوافع والمحركات التي قادته إلى التحول من كونه فرداً عادياً في المجتمع إلى الانتماء لجماعة ترفض المجتمع وتخرج عليه.
يعتبر البروفسور جون هورغان من أبرز علماء حقل علم النفس السياسي عموما وعلم نفس الجماعات الإرهابية خصوصا ويعد كتابه «سيكولوجية الإرهاب» أحد أهم الكتب في مجال التحليل النفسي للإرهابيين وقد ركز تحليله على إرهاب الجماعات المسلحة من دون الدولة حيث يميز تحليله بين الجهود القديمة من أجل فهم «عقلية الإرهابي» وبين الجهود الحديثة التي تكشف عن حقائق مهمة عن التطور السيكولوجي لانضمام الأفراد إلى الجماعات الإرهابية أو تركهم إياها لكنه يقر أن دراسة سيكولوجية الإرهاب حقل غير متقدم ولذلك يدعو إلى تشجيع مزيد من التفكير في تفسير سلوك الإرهابي وكيفية تطوره ويعترف بعدم وجود حلول نهائية.
ترتكز جهود هورغان على مراحل تحول سلوكيات الإرهابي من مرحلة تحول الفرد إلى متطرف بداية إلى تورطه عمليا داخل تنظيم إرهابي وصولا إلى انخراطه في تنفيذ عمليات إرهابية مرورا بمرحلة فك ارتباطه عن التنظيم في حالة انشقاقه عنه ويرى هورجان أن أهم مرحلتين في تطور سلوكيات الإرهابي هو المرحلتان الأولى والثانية اللتان تتعلقان بتكوين فكره وعقيدته المتطرفة لإعداده للانخراط السريع في العمليات الإرهابية.
يشدد هورغان على أربعة أنماط مميزة في العقلية الإرهابية بغض النظر عن الدافع إذ يبدأ الطريق إلى الإرهاب أولا بظهور شعور قوي للفرد بالاغتراب وكونه ضحية والإيمان بأن أفعال وجرائم العدو ليست أخلاقية ليجد مبررات أخلاقية لارتكاب العنف ويشير إلى أن دفع الفرد إلى التطرف يستند إلى أن بعض الإرهابيين لديهم «عقلية إجرامية» وعلى الرغم من إجماع الباحثين أنه لا يوجد لحظة محددة يتحول عندها الفرد إلى إرهابي فإن وقوع الفرد ضحية يولد عنده الشعور بالانتقام الأمر الذي يدفعه للانضمام إلى الجماعات الإرهابية التي قد يجدها تتبنى قضيته.
أما النمط الثاني من الدوافع والمحركات فيرتكز إلى الحياة داخل الجماعة حيث يقوم الاهتمام البحثي لدراسة عقلية الإرهابي على ملاحظة الهوية الجمعية لا الفردية فالسلوك الإرهابي دينيًّا أم علمانيًّا يتطور بفعل الديناميكية الجماعية إذ تفترض إحدى النظريات أن الأشخاص أثناء وجودهم في جماعات يميلون إلى اتخاذ قرارات ذات مخاطر عالية باعتبار أن المخاطرة مشتركة فهي ليست مخيفة بالقدر الذي سيشعر به الفرد إذا ما قام بالمخاطرة بمفرده فكلما أصبحت الجماعة متطرفة أكثر أصبح الفرد متطرفًا أكثر وغالبا ما يمارس على الفرد ضغط اجتماعي كبير من زملائه وقيادته بصورة مباشر أو غير مباشرة يجبره على التماهي مع إجماع الجماعة وخاصةً عندما تقدم له الجماعة دعمًا ماديًّا ونفسيًّا وفكريًّا.
ويشكل الترسيخ العقائدي ثالث الأنماط فبدون مبررات أخلاقية شديدة الوضوح للأفعال الإرهابية التي يرتكبها التنظيم الإرهابي لأفراده يتعرض التنظيم لخطر الانشقاق الداخلي وقد ينحل التنظيم من تلقاء نفسه وتنشأ في هذا السياق مفارقة صريحة في عقلية الإرهابي فإذا كان هدفه هو خلق عالم مثالي ينتصر فيه للأبرياء من جماعته المضطهدة فكيف له أن يقتل أبرياء آخرين ليصل إلى هدفه؟! ولكي يخرج الإرهابي نفسه من ذلك التناقض يقنع نفسه بأنه لا بد من التضحية ببعض الأبرياء لتحقيق هدفهم الأخلاقي.
سيكولوجية الإرهاب وهوية الإرهابي
12:00 22-11-2016
آخر تعديل :
الثلاثاء