لم يعرف الواقع الأكاديمي، ولا عرفت الحياة الثقافية في الأردن والعالم العربي أستاذاً متميزاً في سعة العقل ودماثة الخلق على نحو ما كان ذلك من الأستاذ الدكتور محمود السمرة الذي مثّل حالة مختلفة في ذوي المناصب العلمية كم كنا نتمنى لو اطردت أو امكن ان ينهض بتكاليفها، بعد توافر شروطها، الناهضون.
محمود السمرة «أبو الرائد» رجل حميم بفطرته، ذو مهابة وذو تواضع في آنٍ، وهو في سمته المرموق قريب ودود، يكفيك أن تتأمل جانباً من شخصيته حتى تحبه كله. ولقد أُتيح لي أن أتعرف إلى اكثر من جانب من جوانب «أبي الرائد» اجتزئ هنا بما يسمحُ المقام بتنوّره منها، مُرحباً الحديث المستوفى عنها – إن كان يمكن الوفاء – إلى مناسبة أُخرى.
كان «محمود السمرة» ولا يزال رجلاً محمود البناية في معارفه وأخلاقه، وكان ولا يزال ذا سعة روحية يستظل بها تلامذته ومريدوه ويفيئون اليها، وهو «أستاذ جيل» بكل ما في الكلمة من معنى، سواءً أكان على رأس عمله في هذه الجامعة أو الوزارة أو تلك، أو كان في دارته الكريمة تهوي إليه الأفئدة وترجو له دوام الصحة وموفور العطاء.
ولقد صدر لأستاذنا «محمود السمرة» كتب قيّمة أفاد منها جيلنا أعظم الفائدة مثل كتابه عن «أُدباء الجيل الغاضب» وكتابيه عن «العقاد» و»طه حسين». وتميّزت كتبه بكونها أُنموذجات تحتذى في النزاهة والموضوعية والحكمة العقلية، ناهيك بما فيها من ألوان الاحاطة بثقافة الغرب واتجاهات الفكر والأدب فيه.
وإن مما لا بُدّ من الإشارة إليه في هذا السياق من حديث أستاذنا أبي الرائد عافاه الله ذلك الأسلوب الشائق الرائق وتلك الهدأة النفسيّة التي تبسُطُ ظلها على كتاباته وعلى أحاديثه. وهي مَلْمَحٌ رئيس فيه كُنّا نتوسّمه في ندوات «الثلاثاء» التي كانت تُعقد في «مجلس العمداء» في رئاسة الجامعة الأُردنيّة مطلع الثمانينيات، ويشارك فيها – بقيادة أبي الرائد الحكيمة – عدد من كبار الأساتذة والأدباء والمفكرين.
أكتب هذه الكلمات وأنا اضرع إلى الله العليّ القدير أن يَمُنّ بعافية منه وتمام شفاء على أُستاذنا الكبير الدكتور محمود السمرة، إنّه سميع عليم مُجيبُ الدعاء...