أزمنة الثرثرة ممتدة بامتداد المَلاَءِ الكوني، ولو كان للكلمات حضور فيزيائي محسوس لضاقت الأمكنة بها ولما استطاع أحد من البشر ان يتحرك قيد أُنملة، ولقَضت الأفواه واللهواتُ على كل حياة.
ولو كانت مادة الثرثرة تُعالَجُ بالأقيسة المنطقية او توزن بموازين الحقيقة لأمكن تجنّب هذا المصير، لكنّها تتناثر في الفضاء همجاً هامجاً فتمنع الأنفاس من أن تتردد، وتضربُ على العقول بالاسداد، بعد أن تأخذها بالتهاويل، وتقفها ذاهلة بين قائلٍ ومقول، ومعقولٍ من ذلك ولا معقول.
لقد كثر من بعض من تعرف استعمال إضافات شتى لكلمة «الزمن» فقرأنا عن «زمن الحب» و»زمن الحرب» وزمن الرجال» و»زمن البطولة» وقرأنا الى ذلك اوصافاً للزمن كثيرة كقول قائلهم: «الزمن الرديء» و»الزمن الجميل» والزمن الرخيّ» و»الزمن البهيّ»، ولكن أحداً لم ينتبه الى أقرب الاوصاف الى واقع الانسان المعاصر من اقصى الارض الى اقصاها، وهو الوصف التي يختصر هذا الواقع ويكون سمته الرئيسة في آن، وذلك انه هو «زمن الثرثرة» بامتياز، ولا نقول «زمن الكلام» لان للكلام مقاصد ومعاني على حين تزدحم الأمكنة والطرقات ومفاوز الارض والفضاء بالثرثرة دونما طائل إلا ما يكون من قتل الوقت وتبديد الوعي وصرف البشر عن حقائق ما هم مبتلون به في واقعهم المأسور ونظامهم العالمي المثبور.
ثرثرة قائمة، عاملة ناصبة، في كل لحظة من ليلٍ او نهار، ويوشك ان يكون لها أزيز يجتال الألباب عن مداركها، ويصرف الأنفس عن مراداتها، ولو تنفّس العمر بالفيلسوف الفرنسي «ديكارت» فرأى ما نرى من عجائب هذه الطامّة التي «نتمتع» بها في المدى المحدود من اعمارنا لَصَرَف النظر عن مقولته الشهيرة: «انا أفكر فأنا موجود» ولاستبدل بها مقولة تناسب ما نحن فيه، ولجعل الثرثرة برهان الوجود لا التفكير، ولكنه قضى قبل هذا الزمان بأزمان واخُتِرمَ رضيّاً بما كان لديه من استيقان.
***
وللثرثرة، بَعْدُ، اسواقها وميادينها، ولها عُتاتُها وأساطينها، وإذ كان في الناس من يتنفّسها بهدوء او يمارسها بتواضع، فإن فيهم من يتفاخر بها شهيقاً وزفيراً ومن يتعاظم بما يقذفه في وجوه الآخرين منها.
***
ولقد كان يقالُ قديماً: يا هذا «تكلّمْ» حتى أراك، إذ الكلام (وهو غير الثرثرة كما أسلفنا) مما يستضاءُ به، ومما يتعارف به الخَلْقُ – والتعارف دائرٌ بين المعرفة والعرف الذي هو الخير – أما اليوم فيقال: يا هذا «ثرثر» حتى تستحكم العتمة فيما بيننا، وحتى تتقطع بيننا الصّلات على أنواعها، وحتى نختنق جميعاً في ذباب الكلمات.