يُهرَع بعض صغار الباحثين على آثار «غرونباوم» و»برنارد لويس» وتلميذهما «محمد أركون» فيما يتخبطون به من عشوائية أساسها الجهل بحقائق الاسلام، ومن اعتنافيّة قسريّة في الفهم والتأويل أساسها العداء الاستشراقي، وذلك نشداناً لشهرة مجانية يستعجلونها ولحظوة في مراكز الدراسات الغربية يتمتعون بها، ضاربين عرض الحائط بالنزاهة والموضوعية العلمية من جهة، وبمقتضى الانتماء الحضاري من جهة اخرى.
ولعلّ هؤلاء الباحثين الصغار ان يكونوا اكثر الناس غضباً على قامة سامقة مثل ادوارد سعيد الذي كشف النزعة الاستعمارية للاستشراق وبيّن كثيراً من مغالطاته، ومهد الطريق لنقده في الغرب والشرق على حدٍ سواء.
لقد كانت دراسة «المختلفِ» ثقافياً وحضارياً وبيئةً (ولا نقول دراسة «الآخر»، فهذا مفهوم لم تعرفه حضارة الاسلام) قائمة في أُنموذجاتها المعروفة في تاريخنا مثل كتابي البيروني: «تحقيق ما للهند من مقولة» و»آثار الأُمم الباقية» على أساس النظر الموضوعي والهاجس المعرفي غير الملتبس بظلم، ومن يقرأ كتاب الشهرستاني «الملل والنحل» وكتاب ابن حزم «الفصل في الملِل والنحل» يتعزّز لديه ان هؤلاء القوم رائدهم العلم وطلب الحقيقة، لا طلب قهر الآخر واقصائه وبخسِهِ أشياءه كما هو الامر في الاستشراق الذي جعل مهمته – إلاّ في النادر الشاذ – تشويه الاسلام وحجب فضائله وكمالاته.
على أننا وإن فهمنا دواعي الغرب الاستعماري في حملته على الاسلام فإننا لا نشمل مفكريه بنظرة واحد لا تفرّق بين فردٍ منهم او بين من يتمتع بنظر فلسفي عميق ومن لا يعدو أن يكون موظفاً في وزارة الحرب او وزارة الخارجية، او مستشاراً في كيفية التعامل مع شعوب المشرق العربي الاسلامي الذي يراد اكتساحه والسيطرة على مقدّراته.
إن مسافة خُلْف لا يمكن عبورها تمتد بين «جوته» و»هيردر» الالمانيين، وبين هنتنجتون وبرنارد لويس، المستشارين في الحكومة الاميركية، وشتان بين هواجس الاوّلين المعرفية والاخلاقية وبين دوافع الاخيرين.
ومهما يكن الأمر فإن لا عتب – من منطلق عروبي – على ما يكون من المستشرقين الاستعماريين، فهم يخدمون حكومات بلادهم، متبرعين او مأجورين، ولكن العتب على الباحث العربي الذي يستبدل الذي هو ادنى من اعترافٍ مدخول بطلائعيته وتنويريّته وانفتاحه (ذوبانه) بالذي هو خير من حسن احترامه لوعيه ولشخصيته، والذي لا يعرف أيّ دَرْك تهاوى فيه، ولا أي ريح خبيثة اجتالته عن مقام اعتباره واحترامه وسمت تقديره.
إنهم يُهرعون في غبارٍ وَبِيءٍ سوف ينكشف عنهم بالضرورة، ولكن بعد فوات الأوان.