اراد المستعمر الانجليزي أن يجعل البغاء مهنة معترفاً بها في مصر, وأن يسن لها القوانين, وان يجعل لها طبابة خاصة. ولكن المصريين قاوموا ذلك مقاومة شديدة, وقام فيهم شيوخ ومفكرون ومصلحون يأبون أن تشيع الفاحشة في ارض الازهر والكنانة, ويدفعون عن مجتمعهم الايماني هذا الكيد الذي يرمي المستعمرون من ورائه الى تحطيم منظومة القيم الاخلاقية والدينية التي تحفظ للمجتمع المصري شخصيته الاصيلة, والتي تدفعه الى رفض الاستعمار الخبيث جملة وتفصيلاً, والى مقاومته اشد مقاومة.
ولم تخل تلك المرحلة الكئيبة من بعض المتحذلقين الذين يتفلسفون حول «مشكلة الجنس» واسلوب حلها. مع أن الدين (اسلاماً كان أو مسيحية او موسوية) قد جعل «الزواج» حلاً امثل لها, وحصّن المؤمنين بما يزكي أنفسهم ويقوي اراداتهم ويجعل مجتمعهم قوياً نظيفاً لا تفتك بشبابه الاوبئة والامراض الجنسية (بدءاً بالسفلس والزهري وانتهاء بالايدز) التي نعلم من استفاضتها في المجتمعات الغربية ما نعلم.
إن ثمة حلولاً فانتازية مغرقة في السوريالية تداعب اذهان هؤلاء المتحذلقين, تبعث على الضحك وعلى الرثاء في آن, وهي تنم كذلك على قصور وعيهم بأحكام الدين في هذه المسألة, وعلى أنهم يخبطون فيها خبط عشواء.
وفي الحق أن احوال العرب والمسلمين تغري امثال هؤلاء على اتخاذ سمت العارفين الذين يملكون النصح والتوجيه, اذ الفوضى شاملة عارمة مستحكمة, والحابل مختلط بالنابل, ولا سيما في واقع الصحافة والاعلام والثقافة, حيث كثر المفتون بغير علم, والمجتهدون بغير شروط الاجتهاد, وسدنة الاعمدة المهترئة والزوايا المظلمة. وكل ذلك مغر لبعضهم بأن يدلي بدلوه الى غير قرار معلوم, وان يهرف بما لا يعرف, استهانة منه بالعقول, وثقة منه واغتراراً بأن لا أحد هناك يسأل أو يتساءل, الى غير ذلك من علائم الغرور.
والامر بعد محمول على دخائل الأنفس لا على دلائل العقول. وكم ترك الاستعمار فينا من ذيول وكم خلّف من معقول ومن لا معقول.