كتاب

خطبة الجمعة.. الداء أو الدواء

ليس لنا إلّا أن نُشيد بخطوة وزير الأوقاف المتعلّقة بتطبيق فكرة المسجد الجامع كخطوة تنظيميّة نحن احوج ما نكون إليها في هذه الأيام.

والحاجة لتطبيق الفكرة ماسّة، بسبب كثرة اللّغط الذي أحاط بمضمون الخطبة وما يتم تداوله عمّا يردُ على لسان بعض خطباء الجمعة المتحمّسين لتغييب العقل وتعظيم مفهوم الخرافة والأساطير التي لم ترد بكتاب الله وليست محل اجماع.

وكل ذلك يسيء للدّين الحنيف، لاسيّما وأنّ الخطب تُلقى في أكبر مؤسسات المجتمع المدنيّ وأشدّها تأثيراً.

الخطب تتكرّر كل أسبوعٍ في ستة الاف مسجد في الاردن، على مسامع آلاف المُصلّين الخاشعين المُنتظرين بفارغ الصّبر ما سيدلي به الخطيب، ومنها ما يطرب له العقل والمنطق ويقربنا إلى الديّن.

فما زلت أذكر خطبة الجمعة في مسجد التلاويّ قبل شهرين عندما أوصل لنا الخطيب مفهوم الضّمان الاجتماعيّ بالإسلام من خلال استعراض موقف الخليفة الراشديّ عمر بن الخطاب من أحد مواطني المدينة اليهوديّ الذي كان يستجدي الصّدقة.

الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل اليهودي: من الذي ألجأك إلى هذا ؟ فأجابه: السّن والجزية والحاجة، فأمر عمر بصرف راتب ثابت له من بيت المال، وقال والله ما أنصفناه إذا نحن أكلنا شيبته ثم خذلناه في هرمه إنّه من مساكين أهل الكتاب والصّدقات للفقراء والمساكين.

المحطات المضيئة في التّراث الإسلاميّ كثيرة، بالرّغم مما علق به من أدران التّحريف والتجهيل، والمرءُ يحار من تجاهلها وعدم التّطرق إليها، بل أصبح لدينا عدد غير قليل لا يجيد الا بث خطاب التّطرف والتخويف وترسيخ ثقافة الإقصاء وتسويق الخرافات.

أقول ذلك وأنا أنقل لكم مضمون خطبتين في صلاة الجمعة إحداهما كنت حاضراً وعلى مسمعي.

في صلاة عيد الفطر الماضي وفي مسجد الصحابة على طريق المطار كان موضوع الخطبة عن «الإسلاموفوبيا» وجاء بخطبة خطيب المسجد أنّ هناك يوماً وقد غدا قريباً، ستحدث فيه معركة بين الحق والباطل في منطقة مرج دابق وسيكون جيش المُشركين القادم لقتال المسلمين تعداده تسعمئة وستون ألف مقاتلٍ فيلاقيهم المُسلمون فينهزم ثلث الجيش الإسلاميّ ويستشهد الثُلث الباقي ويبقى الثّلث بعد انتصار المُسلمين على المشركين !!!

وفي يوم الجمعة بتاريخ 28/ 10/ 2016، في بلدة أردنيّة على مقربةٍ من الحدود السوريّة وبالذات في مسجد شرحبيل بن حسنة كان موضوع الخطبة «جهنّم»، وأسهب الخطيب في وصف جحيم النّار، وعلى ذمّة الرّاوي الذي أثق به فقد خيّم على جموع المصلين سكونٌ وصمتٌ مطبقٌ، وهلعٌ عظيمٌ وهم يستمعون بشغفٍ وخوفٍ من أوصاف جهنّم.

إنّ فتح المجال لكل من هبّ ودبّ للخطابة هو بمثابة إفلات الزمام والامعان في التّخويف والتّجهيل وتحميل الدين ما هو بريءٌ منه، فليس كل ما دوّن في التراث صحيحا، وإلا لما اختلف الائمة بآرائهم وتوثيقاتهم التي يجب ان تخضع للنقد العلمي لاستخلاص الحقيقة وطرح الغث الذي لا يتفق مع المنطق والرحمة.

من هنا فإنّ فكرة المسجد الجامع لتقليل عدد الخطباء وحصرهم بإشرافٍ مركزيّ من قبل وزارة الاوقاف خطوة تستحق التقدير، لترشيد الخطبة الجامعة، وتوجيهها بمضامين تعزز السّماحة وحسن التّعامل، والحضّ على الأخلاق الحميدة والخروج من مجتمع الخوف والأرق إلى مجتمع الطمأنينة والعقلانية، وتوظيف عقول الشّباب لتقديس العمل الصّالح إلى جانب الإيمان عملاً بقوله تعالى: وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ....».