تزامن الإعلان عن بدء معركة تحرير الموصل لإخراج مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية منها مع احتدام معركة الانتخابات الرئاسية الأمريكية بين مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون ومرشح الحزب الجمهوري دونالد ترامب في ظل ازدهار سوق المزايدات السياسية على الرغم من أن المنافسة الحالية بين المرشحين تكاد تكون شبه محسومة لصالح كلينتون لكن قرار الإعلان عن انطلاق المعركة في 17 تشرين الأول الجاري لم يكن يقبل التأخير لأسباب عديد تتعلق بطبيعة التصورات الاستراتيجية الأمريكية حول مخاطر ديمومة سيطرة تنظيم الدولة على المدينة وتمكين حكامته لفترة طويلة الأمر الذي سوف يعزز من قدراته العسكرية والأمنية ويساهم في تنامي إمكاناته التعبوية في الاستقطاب والتجنيد للعناصر البشرية ويعمل على زيادة مدخولاته المالية والاقتصادية.
على الرغم من تأكيد كافة الأطراف المشاركة في معركة استعادة الموصل على أولوية طرد مسلحي تنظيم الدولة وضرورة هزيمته نهائيا لكن الاختلاف على مستقبل المدينة يبدو ظاهرا كما أن التناقضات حول طبيعة المهام الموكولة لكافة أطراف العملية سوف تبدأ بالبروز مع الاقتراب من مركز المدينة فالولايات المتحدة الأمريكية التي تقود التحالف الدولي ضد تنظيم الدولة عملت على تحديد جبهات القتال بين القوات المختلفة والتي تشمل قوات الجيش الأمن العراقية وقوات البشمركة الكردية ومليشيات الحشد الشعبي الشيعي والحشد الوطني السني وعقب مرور قرابة أسبوعين على المعركة والحديث عن تقدم سريع أسفر عن تحرير أكثر من 78 قرية وقتل أكثر من 900 مقاتل من التنظيم بدأت الصعوبات بالظهور وأعلنت أمريكا عن توقف المعارك مؤقتا لإعادة التقييم رغم إصرار القوات العراقية على الاستمرار بالمعركة.
الحديث عن سهولة المعركة وتحقيق نصر سريع بدأ يتلاشى وتصاعد الكلام عن صعوبة المعركة وطول أمدها ومخاطرها وزيادة كلفتها فتنظيم الدولة يعتمد في مواجهة التحالف الذي يتضمن 90 ألفاً من القوات الحكومية العراقية ومقاتلي البشمركة الكردية وجنود الميليشيات غير النظامية على تكتيكات الحرب غير المتناظرة ويمزج في تكتيكاته الهجينة بين أساليب تقليدية كلاسيكية وحرب العصابات والمدن ومنذ سيطرته على الموصل قبل أكثر من عامين عمل على استثمار الوقت للاستعداد للهجوم الحالي من خلال بناء شبكة من الأنفاق وزرع الطرق بالعبوات الناسفة ونصب فخاخ وألغام متفجرة والاعتماد على تجهيز سيارات وشاحنات وعربات مصفحة ومفخخة والاعتماد على الانتحاريين الذين يرتدون أحزمة ناسفة وتنفيذ هجمات انتحارية وفي خضم الانشغال بمحاولة التقدم نحو الموصل، عمل التنظيم على شن هجمات مفاجئة في أجزاء أخرى من البلاد لتشتيت انتباه قوات التحالف وشغل اهتمامهم ومواردهم في مكان آخر إذ شنت بعض خلايا التنظيم هجوما مفاجئا على محافظة كركوك والرطبة في محافظة الأنبار فضلا عن استخدام التنظيم للكثافة البشرية في الموصل واستثمارها كدروع لمحاولة تحييد طيران التحالف وإضعاف هجمات المدفعية والصواريخ كما عمد التنظيم إلى إحراق « آبار النفط في المناطق الغنية بالنفط وإشعال الكبريت في مصنع الكبريت بالقرب من القيارة الأمر الذي زاد من تعقّد العمليات العسكرية في المنطقة.
صعوبات معركة الموصل ستتضاعف مع إصرار مليشيات الحشد الشيعي على البدء بمعركة تلعفر حيث أعلنت مليشيات الحشد أنها بدأت في 29 تشرين الأول الجاري بالتحرك باتجاه مدينة تلعفر التركمانية معقل تنظيم الدولة الإسلامية غرب الموصل والتي تقع على مسافة نحو 55 كيلومترا غرب الموصل وهي معركة تمثل أهمية تتجاوز أهمية الموصل بالنسبة لمليشيات الحشد التي تعمل تحت إمرة قائد فيلق القدس قاسم سليماني والذي يسعى لاستكمال تحقيق المخطط الإيراني نحو المتوسط الأمر الذي سوف يؤدي إلى تنامي الخلاف مع تركيا التي تؤكد أنها سوف تتدخل لمنع قيام حرب طائفية في تلعفر كونها مدينة مختلطة بأعلبية سنية وأقلية شيعية.
لعل التحدي الأخطر في معركة تحرير الموصل يتمثل في كيفية انهائها وهل ستشهد المدينة عمليات نزوح كبيرة ومع طول أمد المعركة وارتفاع الكلفة البشرية والمادية هل سنشهد اعتمادا لسياسات الأرض المحروقة كما حدث في مناطق أخرى كتكريت والرمادي والفلوجة وغيرها فمحاولة الولايات المتحدة التقليل من تداعيات المعركة لا تتشاطرها مؤسسات دولية وجهات حقوقية فقد أشارت الأمم المتحدة في 29 أيلول الماضي إلى أن أكثر من مليون شخص قد يفرون من مدينة الموصل عند بدء المعركة التي يبلغ عدد سكانها حوالي 1.2 مليون نسمة وتشكل ثانية كبرى المدن العراقية وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في رسالة أرسلتها إلى رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي إن على الحكومة العراقية أن تتعهد بمنع عناصر القوات المسلحة المتورطة في انتهاكات لقوانين الحرب من المشاركة في العمليات المُخطط لها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» ويجب أن يكون من بين الممنوعين من المشاركة عناصر «قوات الحشد الشعبي» وهي مجموعة من القوات المسلحة المتحالفة مع الحكومة. كما أن على الحكومة ضمان حماية الحقوق الأساسية وعدم التمييز في الفحص الأمني واحتجاز الأسرى أثناء عمليات الموصل.
أحد الإشكاليات التي تنتظر الموصل تتعلق بشكل المدينة وطبيعة إدارتها عقب التحرير ففي سياق التحضيرات العسكرية لمعركة الموصل تراجع الحديث عن الأسباب السياسية العميقة التي أدت لسيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على المدينة ولم تعد المسألة السنيّة حاضرة فالولايات المتحدة التي تسببت بحالة الفوضى كقوة احتلال إمبريالية للعراق 2003 وسياساتها الكارثية بتفكيك الدولة والمجتمع العراقي عبر استثمار التعدد العرقي الإثني والديني المذهبي كعامل هدم من خلال بناء العملية السياسية على أسس هوياتية مزدوجة عبر تأكيد الهويات العرقية الإثنية وانقساماتها بين عرب وكرد بصورة أساسية وترسيخ الاختلافات الهوياتية الدينية المذهبية بين السنة والشيعة بشكل رئيسي هي التي مكنت الكرد من إدارة إقليم شبه مستقل وعملت على مكافأة الشيعة وتمكينهم من الحكم بعد مساندة مرجعياتهم للاحتلال بينما جرى تهميش السنة وإقصائهم كإجراء عقابي لانخراطهم في النظام السابق ومعارضتهم ومقاومتهم للاحتلال، إذ لم يكن صعود تنظيم الدولة بعيدا عن الاسباب الموضوعية المتمثلة بالسياسات الطائفية الشيعية الإيرانية حيث لم يجد التنظيم صعوبة في بناء تحالف سني مع قوى وفعاليات وحركات عراقية على أسس هوياتية دينية لمواجهة سادة العراق الشيعة الجدد من المالكي إلى العبادي.
خلاصة القول أن معركة الموصل لا تزال في بدايتها وهي معركة صعبة على الصعيد العسكري وستكون مكلفة لكن الأخطر يتمثل في كيفية انهائها دون حدوث مضاعفات خطيرة وتنامي المسألة الطائفية ذلك أن التركيز على المقاربة العسكرية بالقضاء على تنظيم الدولة عبر نموذج الحرب دون الالتفات إلى الأسباب السياسية التي أدت لصعود التنظيم والإصرار على الحفاظ على الصيغة السياسية لعراق ما بعد الاحتلال يعني المزيد من تهميش وإقصاء السنة وسوف يؤدي إلى تنامي إيديولوجية تنظيم الدولة وزيادة جاذبيته وعودته عبر ولادة جديدة.
معركة الموصل بدأت ولكن كيف ستنتهي؟
12:00 31-10-2016
آخر تعديل :
الاثنين