مبادرة «فزعة أهل» التي اطلقتها نقابة المهندسين والتي تهدف الى جمع التبرعات العينية من اسمنت ومواد بناء، واخرى نقدية مفتوحة للمؤسسات والأفراد للإسهام بصيانة وترميم منازل الاسر الفقيرة، مبادرة تستحق التقدير والاحترام وهي ترجمة حقيقية لمبدأ المسؤولية الاجتماعية وتجسيد ملموس لقيم المؤسسة في ضرورة المشاركة في التنمية المستدامة التي تدخل نظرياً في رؤى المؤسسة. مبادرة المهندسين هي ما يجب أن تكون مثالاً لرؤية المنظمات المدنية التي اغرقنا بعضها بالتنظير بحقوق العاملات في المنازل ومنع التعذيب في الورش والندوات المكلفة والمنعقدة لهذا الغرض، وبالرغم من سمو هذه الغايات إلا أنها لم تضع مدماكاً واحداً على عتبة منزل عائلة فقيرة تداهمها مياه الامطار كل فصل شتاء.
مواطنية النقابات ومؤسسات المجتمع المدني مطلوب منها الالتفاف الى المبادرات الانمائية والاجتماعية اتجاه فئات مستهدفة ترجمة لفلسفة وسياسة النقابة أو الجمعية أو الشركة واعطاء المثل العملاني الملموس لتجسيد رؤيتها بالمشاركة بالتكافل الاجتماعي لكل ابناء المجتمع بالإضافة الى خدمة اعضائها أو الشركاء بطريقة تستجيب لتوقعات المجتمع اخلاقياً، وقانونياً، واجتماعياً، فمؤسسات المجتمع المدني الفاعلة هي كيانات اجتماعية أيضاً وليست مهنية صرفة، وعليها استنباط تصور لمشاريع ريادية تؤكد تكاملها مع مؤسسات القطاع العام والخاص في التنمية الاجتماعية ولتطوير البنية التحتية، وهو ما ينبغي أن ينسحب على المؤسسات الاقتصادية الضخمة كالبنوك والشركات، والشركات الكبرى التي يجب ان تترجم المسؤولية الاجتماعية التي تدرجها في رؤية المؤسسات كواجب للمؤسسة اتجاه المجتمع المحلي وليس احساناً او وسيلة للدعاية وللعلاقات العامة بل لتأكيد مفهوم الشراكة الوطنية مع مؤسسات القطاع العام، هذا المفهوم الذي ورد في كثير من ادبيات ومنشورات الامم المتحدة في العقد الاخير من القرن الماضي على اثر انسحاب الدولة الرعوية من مواجهة الاعباء وآثار الاصلاح الاقتصادي والخصخصة وانسحاب الدولة من ادوارها الاجتماعية.
مبادرة «فزعة أهل» ليست الاولى ومن الانصاف أن لا نغمض العين كثيرا من المؤسسات التي تغدق على مسؤوليتها الاجتماعية ومنها البنوك وشركات التعدين الكبرى ولا يفوتني ما تقوم به مؤسسة «عبد الحميد شومان» التي اصبحت رافعة اساسية في الفعل الثقافي وتشجيع البحث العلمي.
مسؤولية منظمات المجتمع المدني أو الشركات المساهمة العامة يجب أن تنتقل لترجمة مفهوم المسؤولية الاجتماعية من نطاق اعمال الخير والاحسان التي كانت تدفعها على مضض امام إلحاح طالبي التبرع الى نطاق المساهمة في التنمية المقدمة للمجتمعات، واستهداف قطاعات اوسع من المستفيدين أو اصحاب المصالح الاخرى، وتكريس مفهوم جديد بأن تفعيل مبدأ المسؤولية الاجتماعية ليست عبئاً أو ابتزازاً للمؤسسة بل هو التزام اخلاقي وطوعي للمجتمع ولأعضاء المؤسسة أو النقابة كما هو الحال في مبادرة نقابة المهندسين التي سيقوم مهندسوها بأخذ زمام المبادرة عند وضع أول لبنة في فناء منزل أسرة فقيرة وعفيفة.