بالتأكيد أن الأردن ما كان لا يتمنى، ولم يرد، أن تتجاوز القمة العربية اليمن الشقيق، وأن تصل إليه وتنعقد في إستضافته في دور دولة شقيقة يريدها الأردنيون أن تنعم بالإستقرار وبالوحدة الوطنية، البعيدة عن شرور التدخلات الإيرانية التي هي سبب كُل هذا التذابح، الذي أنهك البلاد ومزّق العباد، والذي كلّما بذلتْ جهودٌ خيرة من دول صادقة في مساعيها لإصلاح ذات البين وحقن دماء أبناء الوطن، تسارع دولة الوليِّ الفقيه، وللأسف، لتعطل المراكب ورشِّ المزيد من زيت الفتنة على جمر الإقتتال الداخلي لتأجيجه مجددا، وافشال سعاة الخير من أن يحققوا ولو خطوة نجاح واحدة.
لكن بما أن القمة العربية كمكان انعقاد قد تجاوزت صنعاء، التي «لا بد منها وإنْ طال السفر»، وانتقلت بكُرتها في الملعب الاردني، فإنه بات على الأردنيين وكالعادة أن يواجهوا هذا التحدي بوحدة موقف، وأن يؤجلوا كل ما هو ثانوي من أجل هدفٍ رئيسي لا يعنيهم وحدهم، بل يعني العرب كلهم، ويعني الأمة العربية التي تمرُّ الآن في أسوأ وأصعب ظروفها وكل هذا من أجل إنجاح هذه القمة التي إن هي لم تنجح، لا سمح الله، فإنه على العرب السلام، وأنه وداعاً لوحدة موقف هذه الأمة ولو بالحدود الدنيا!!.
إن أول نجاحٍ لهذه القمة، التي إن هي لم تعقد لا في عمان ولا البحر الميت بسبب الظروف الأمنية المحيطة بالأردن، الخطيرة فعلاً، فإنها بالتأكيد ستعقد في مدينة العقبة التاريخية، التي هي بداية قيام المملكة الأردنية الهاشمية، والتي تعانق بالنظر وبزبد أمواج البحر الأحمر، دولتين شقيقتين عزيزتين هما المملكة العربية السعودية ومصر، وهنا فإننا نتمنّى أن يكون زوال هذا «العارض» بين أعز الأشقاء والأخوة في هذه القمة.. وأن وداعاً للخلافات، طالما أن التحديات تواجه الجميع، إذ لا فرق بين القاهرة والرياض.. ولا بين هاتين العاصمتين العربيتين وعمان وأي عاصمة عربية أخرى.
وحتى تكون هذه القمة بمثابة وقفةٍ جديةٍ وجادةٍ من منعطف خطير بالفعل، فإن الاردنيين بل العرب كلهم ينتظرون أن يكون حضور هذه «المثابة» العربية على مستوى القادة من الملوك والرؤساء، فإن هذا اللقاء العربي القيادي هو «القمة»، والمعروف أن أي إنعقاد له لا يمكن ان يكون قمة إذا لم يكن الحضور على مستوى الملوك والرؤساء.. ومع كل الإحترام والتقدير لمن هم أدنى مكانةً ومرتبةً من هذا المستوى السامي بالفعل.
إن هذه مسألة وهي مسألة هامة جدا، لأنه تتوقف عليها إستمرارية القمم العربية كـ «قمم» وليس مجرد اجتماعات لرفع العتب ولتحاشي إعلان وفاة ما دأب عليه العرب منذ أكثر من نصف قرن من السنوات.. ثُمَّ وما دام أن المفترض أن عقد هذه القمة في الأردن ليس من أجل عقدها وفقط، وأن هناك تحديات كثيرة تتطلب مواجهتها وحدة موقف وعلى مستوى الملوك والرؤساء، وأيضا فإن هذا الإجتماعات التي تنعقد لم يعد بالإمكان تسمتيها قمما طالما أنها أصبحت تنعقد «بمن حضر» وأن مستوى الحضور غدا يتراجع تدريجيا، إلى أن أصبح لا يفي بالغرض المطلوب.
هناك الآن تشظٍّ عربيّ إن إستمرَّ فإن أعضاء الجامعة العربية، وهذا إن إستمرت هذه الجامعة، سيتجاوز عددهم المائة، فسوريا غدت مهددة بوحدتها، وهناك مؤامرة إن هي إستمرت وتواصلت فإنها قد تصبح أربع أو ست دول، وهذا إذا أردنا قول الحقيقة ينطبق على العراق وعلى اليمن وعلى ليبيا وعلى لبنان، وعلى دول تنام ليلها الطويل ولا تضع في حسبانها ما يتهدّدها من أخطار.. مما يعني أنه يجب إنجاح هذه القمة، لأن عدم نجاحها سيعني أنه لن تنعقد أية قمةٍ حقيقية!!