كان طلبة العلم, ايام ازدهار حضارة الاسلام, يتلقون في المساجد دروساً في المنطق والرياضيات واصول المناظرة الى جانب دروس الفقه والتفسير ودروس اللغة والادب. وكانت السوية العقلية للشبان أعلى من ان تنطلي عليها دعوات الغلو المذهبي أو السياسي, أو كانت–في اقل تقدير–تحول ان يستجهلهم مدّع باسم الدين فيجتالهم عن محجته البيضاء. ولعل ذلك ما دفع بمغامري الغلاة الى اطراف البوادي واقاصي النجوع يلتمسون هنالك الانصار والمشايعين, حيث يقل في الناس من يحاكمون الدعاوى فيكشفون تهافتها, ويحذرون من مغبتها ومما يمكن أن تتأدى اليه من فتن جائحة تأكل الاخضر واليابس وما بينهما.
هذه القدرة العقلية على محاكمة الافكار والاتجاهات والمذاهب على اختلاف أنواعها هي ما نحتاجه اليوم في واقعنا التربوي والتعليمي والاعلامي والثقافي. وهي قبل ذلك, ومعه, ما ينبغي السعي في اعادة حضورها في مساجدنا, في اطار برامج مدروسة, وعلى نحو بعيد للمسجد دوره الحضاري الذي كان.
نستذكر هنا ما كان من رحلة ابي بكر بن العربي الى فلسطين والعراق اواخر القرن الخامس الهجري, حيث جاء في فصل ممتع من كتابه «قانون التأويل» انه شهد في ساحات المسجد الاقصى المبارك اكثر من خمسين مجلس علم, وانه وجد من ابناء بيت المقدس من يؤكد له أن هذا العدد دون ما كان من قبل, الامر الذي نتبين منه أن مسجدنا الاسير كان جامعة اسلامية بكل معنى الكلمة.
فاذا علمنا ان هذه الجامعة قد توافر لها هذا الحضور المعرفي والزخم التعليمي عشية الحروب الصليبية, التي كانت تهدد كيان امة العروبة والاسلام, وتريد لتستأصلها من جذورها, فإن بنا أن نستلهم ذلك في الدعوة الى حضور مماثل يحصّن مجموع هذه الامة من ان تتغشاها غاشية الجهالة, أو أن تلفتها الرياح الوبيئة–اياً كان مهبها–عن واقعها, أو أن يتلاعب بمصيرها دعاة الفتن او مغامرو السياسات, أو أن تكون ذاهلة–بالجملة–عما يراد بها ويكاد لها, فيكون امرها كلّه فرطاً.
إن سعياً موزوناً لاستعادة دور المسجد التعليمي والثقافي والحضاري هو اقرب سبيل الى دفع غوائل الغلو, والى تحقيق الرشد والسلم في مجتمعاتنا العربية الاسلامية, والى النهوض قبل هذا وذاك بسوية التفكير التي لا تنفع مع تدنيها كل حيلة, ونستغني بعلوّها عن صنوف الحيل والتدابير.