كتاب

مجتمع الكراهية من جديد!

كتبت قبل عامين هنا في جريدة «الرأي « عن مجتمع الكراهية كانت المقالة ضرورية وقتها، وكم كنتُ سعيدًا حينذاك لكثرة الاتصالات وحجم التعليقات التي نجمت عن نشر تلك المقالة؛ إذ أحدثت صدًى كبيرًا بين أوساط المهتمّين؛ نظرًا إلى أنها تتناول بالنقد والتحليل ظاهرة غدت منتشرة في حاضرنا، حتى إنها أضحت أسلوب حياة، وترتّبت عليها نتائجُ خطرة لا تُحمد عقباها، واليوم تتسع الظاهرة وتجدها تكبر وتكبر في مجتمعنا، وحقه علينا ان نقرأ بعناية الظاهرة نناقشها ونفتح الباب على مصراعيه لمعرفة نتائج استمرارها فيه حيث كان الى وقت قريب مضرب الأمثال في محبته وتواضعه وإنسانيته، واليوم بات الامر مختلفا؛ لان كارهي الخير يسدّون بكراهيتهم عين الشمس، وأقول تعالوا لتقرأوا ما كتبته اليوم عن حجم هذا الجرح كيف اتسع ليصبح دائرة تلتهم كلَّ عناصر الخير، تعالوا لتروا كيف أصبح اليائسون! وكيف غدت أواصر التراحم والمودّة ؟ وكيف أضحى حال العمل في مؤسسات المجتمع؟ تعالوا لتروا المحن إلى أيّ حدّ زادت! والعفن إلى أيّ درجة طفا على سطح الأحداث! ولتروا السفهاء والجهلة كيف همُ اليوم؟ وفي المقابل تروا مآلَ الشرفاء والأوفياء والأصفياء والانقياء، تعالوا وانظروا إلى تنامي الجرائم في المجتمع، والى الجشعين والحاقدين، أولئك الذين تبوّؤا المكانة الفضلى في زمن انقلبت فيه الموازين، وانظروا إلى مناهج الجهلاء من أنصاف العلماء ممّن ضاعت عقولهم، وغابت مناهجهم في أتون الحقد والكراهية، تعالوا لتروا وجعَ الناس في زمن يستأسد فيه الأذلّة، تعالوا وقارنوا بين ذلك الجيل الذي تربّى على البساطة والقلّة والإيثار، وما يشيع في حاضرنا من سخف وصَغار وأوكار ومواخير لا نهاية لها. تعالوا لتقرأوا أنّ الصمت مع الصغار في مجتمع الكراهية حكمة، والحديث في حَلَبَتِهِم بلاهة، واحترامهم وتقديرهم سفاهة، وعلمهم وفكرهم جهالة. وأنّ الكبار كبارٌ بحضورهم وجدّهم وصبرهم وعلمهم؛ فكلامهم رقي، وقرارهم حكمة، ولفتاتهم إنسانيّة، والصغار صغارٌ مهما كبرت أعمارهم، ومهما كانت درجاتهم، ومهما زادت ثرواتهم، ومهما رَقَتْ وظائفهم، حتى إن كانوا في نظر بعضهم في خانة الكبار فهم في قرارة أنفسهم صغار.

ومن يقرأ الحاضر بِعَجَرِهِ وَبَجَرِهِ ويتأمّله بعين باصرة ويتابعُ تفاصيلَه اليوميّة وانعكاساتِه المباشرة وغير المباشرة، يدرك أننا امام معانٍ تجفّ وأفكار تنضب ومبادئ ترحل وأعراف تسافر وعادات تقلع، وامام هذا الواقع المرّ: ما جدوى الكتابة ؟ حين تعرف أنّها تهدف إلى أمرين؛ أولهما تطهير الواقع من العفن والرحيل به إلى الأحسن والأفضل، وثانيهما تفريغ النفس من ضغوطاتها وإحباطاتها، وحين تدرك أنك تكتب أحياناً لمن لا يقرأ! ولمن لا يؤثر فيه المدفع! عندها تضرب اسادسا باخماسٍ، وتجد أنّ كلّ أساليب الكتابة وسقوفها بلا فائدة؛ لأنك ستكون المغرّد الوحيد في عالم تتقاذفه نرجسيّات المنافع والمصالح. وهل تكون الكتابة ذات جدوى إذا عرفت أنّ من يتسنّم المكان لا يستحقه، ويحوز من المكاسب على ما لا يستأهل! تعالوا لنرى ماذا حلّ بِنَا، وأين كنّا وأين أصبحنا، نحن أمام غرائب وخرائب وعجائب، فمن ينقذ الحروف من ثقلها وغربتها؟ ومن ينقذ الناس من لا مبالاتهم ؟ ومن يعيد للزمن الجميل وجهه الأصيل؟ ومن يُرجع للبراءة فطرتها؟ وللمؤسسات هيبتها؟ وللإنسان إنسانيته؟ ما أكثرَ الأفكار في زمن اللامبالاة! وما أكثر الأسئلة في زمن الاستهتار! نعم، نحن أمام كارثة الكراهية وفيها لا يحترم أحد، ولا يؤخذ فيها بالنتائج التي تصبّ في ضياع الصحيح وفقدان الأمل، نحن في مجتمع الكراهية الجديد الذي يفقد فيه المرء أبسط حقوقه، وحين يطالبُ البسطاء ُبحقوقهم تنهضُ الوحوشُ من أوكارها تجمعُ أعمارها المنتهية وتضغط بأحابيلها بكلّ الوسائل لنيل قهر المستحيل.

لكن، وعلى الرّغم من كلّ ذلك لا تيأسوا؛ فقراءة التاريخ تعلّم الإنسان أنْ لا مستحيل، وتجعله يدرك أنّ الصغار إلى زوال، وأنّ الجدّ والعمل الدؤوب هو الذي يبقى، وأن الفاشل والمدلّس والمنافق حتمًا سائرون إلى الجحيم، وأنّ الظلام لا بدّ سيمّحي، وبعد لا بد ان أوجه أجمل العبارات للقابضين على جمر الحياة كي يبقى الصدق والعمل الصحيح بلسمُ الحياة ورونقها الجميل.

‏mohamadq2002@yahoo.com