الآن وقد ساد اعتقاد اقترب من اليقين أن هذا الهجوم، الذي يشن على «داعش» في الموصل قد يصبح حرباً «إستئصالية» لهذا التنظيم الإرهابي في سوريا وفي المنطقة كلها، وأيضاً في العالم بأسره، وهذا يُعني أنه علينا في هذا البلد الذي غدا مزنراً بألسنةِ اللهبِ من كل جانب أن نعلن حالة الإستنفار القصوى، وأن نهيئ أوضاعنا كلها لما هو أخطر وأسوأ، وأن نكف عن كل هذه الإشتباكات الكلامية، التي تجاوزت كل الحدود.. و»الحرب أولها كلام»، وأن نضع حداًّ، إن ليس باللين وبالتي هي أحسن فبالقوة الرادعة لهذا الإنفلات، وكل هذا كي لا نكون كسفسطائيي القسطنطينية، الذين باغتتهم خيول الفاتحين وهم منهمكون بجدل عقيم حول جنس الملائكة: هل هم ذكور أم إناث؟!.
إنه لا يهمنا كثيراً أن يتهمنا الذين ينعمون بالإسترخاء في العواصم الغربية البعيدة بـ»القمعية»، وضبط أمورنا الداخلية بالقوة، وأيضاً بالحديد والنار إن لم تعد تنفع هذه الوسائل الناعمة، ولم يعد ينفع الكلام «النحوي» المعسول، ويصبح أنه لا بد مما ليس منه بُد، وبخاصة أننا أصحاب تجارب مكلفة كثيرة، وأن هذه التجارب التي بدأت مع بدء قيام دولتنا قبل نحو مئة عام علمتنا أن لا نضع رؤوسنا على أرائك من الحرير وريش النعام، عندما تصبح الأخطار تقف لنا على الأبواب، وأن نتخلىّ عن ترف الإسترخاء والركون إلى كل ما نسمعه من غزلٍ فينا وفي «ديموقراطيتنا» الجميلة، التي أصبحت هي البيئة التي أرادها الذين باستهدافهم لهيبة الدولة تجاوزوا كل الحدود.
علينا أن نضع في اعتبارنا، وبخاصة من منا لديهم استعداد لتحمل غياب الإستمتاع بالميوعة السياسية، التي بتنا نعيشها باسم الديموقراطية والحريات العامة، أنَّ هناك من بين الأخوة الأعداء من سيبادر إلى تصدير «داعش» إلى هذا البلد الآمن، الذي لم يصدِّر في أي يوم من الأيام لأشقائه إلا النوايا الطيبة والخير، إن تمت السيطرة على هذا التنظيم الإرهابي وإن تم إقتلاعه، إن ليس كله فبمعظمه من العراق وسوريا، وإنْ أغلقت دول الشرق الأوسط والغرب البعيد أبوابها في وجهه ومنعت «تصديره» إلى أراضيها!!.
أنا كشخص وكفاعلية تجربة حزبية سابقة، وكمعارض قديم بأساليب ووسائل المعارضة القديمة وشعاراتها الغوغائية البعيدة عن الواقعية بُعد الأرض عن السماء، كنت أحد الذين تضرروا من مراحل القمع، الذي قياساً بقمع بعض أشقائنا يعتبر نزهة جميلة وجنة من جنان النعيم، وأنا أحد الذين أستردوا جوازات سفرهم واستردوا أردنيتهم ونعموا برغد التعبير عن الرأي، وقول حتى ما لا يجب أن يقال وعلى الطالع والنازل، لكنني وأنا أشعر الآن أنَّ الأردن غدا مهدداً بأخطار فعلية وحقيقية، باتت داهمة، فإنني أجد أنه عليَّ أن أرفع الصوت عالياً وأطالب بوقف كل هذا «الغنج» الديموقراطي وكل هذه الإشتباكات والحملات الكلامية المتبادلة.. ومرة أخرى :»الحرب أولها كلام»!!.
لقد تلقينا تهديدات مباشرة وغير مباشرة بنقل كل ما يجري في سوريا، هذا القطر العربي المجاور الشقيق، من إرهاب وعنف وفوضى إلى بلدنا، وهنا فإن معظم الأردنيين إن ليس كلهم، يعرفون كم محاولة «شقيقة»!! جرت لإختراق حدودنا، وكان من الممكن أن تنجح كلها لولا كفاءة أبطال الجيش العربي الذين يرابطون على هذه الحدود، وأيضاً لولا يقظة أجهزتنا الأمنية وإستعدادها الداخلي، واختراقها البطولي للبؤر والشبكات الشريرة المتآمرة إن داخل بعض الدول القريبة وإن في بعض الدول البعيدة.
وهكذا وعندما يكون البلد وأيَّ بلد وبلدنا المملكة الأردنية الهاشمية في المقدمة مهدد بتصدير «داعش»، وأي تنظيم إرهابي إليه، فإن المفترض أن يبادر إلى إعلان حالة الإستنفار وأن يضع حداًّ لكل هذه المهاترات والإشتباكات الكلامية بقوة القوانين، وحتى أن استدعت الأمور لإعطاء حالة الفوضى السياسية التي تتم باسم الديموقراطية اجازة يتوقف قصرها أو طولها على ما قد نواجهه من تحديات أمنية... فان نعيش بدون ديموقراطية بعض الوقت خير من أن تصبح أحوالنا على غرار ما آلت إليه الأمور في أقطار شقيقة، من بينها سوريا التي نعمت بالإستقرار لبعض الوقت لكنها عندما شرَّعت أبوابها للإنقلابات العسكرية وللعنف المستورد وغير المستورد كانت النتيجة هي هذه الأوضاع المأساوية البائسة التي توجع القلوب !!.