في سنوات، ليست بعيدة، سابقة كان إنقسام العرب على أساس أن هناك معسكرين كونيين معكسر غربي إمبريالي – رأسمالي ومعسكر شرقي تقدمي وإشتراكي وهكذا فإن الدول العربية التي كانت تعتبر «رجعية» كانت تحسب نفسها ويحسبها الآخرون على المعسكر الغربي الذي منذ منتصف القرن الماضي فصاعداً أصبحت تقوده الولايات المتحدة بينما دول الإنقلابات العسكرية التي كانت تعتبر نفسها تحررية وتقدمية كانت تُحْسب على المعسكر الشرقي (الإشتراكي) الذي بقي يقوده الإتحاد السوفياتي إلى أن إنهار وانهارت معه الكتلة الإشتراكية كلها في بدايات تسعينات القرن الماضي.
ولذلك فقد كان ما بين العرب «التقدميين» والعرب «الرجعيين» ما صنع الحدَّاد وكان الصراع بينهما قد وصل إلى حد الإقتتال الفعلي والمواجهات العسكرية وهذا كان قد حصل في اليمن بين السعودية ومن كان معها مثل الأردن وبين مصر «الجمهورية العربية المتحدة» ومن كان معها مثل سوريا وأيضا كان قد حصل بين الجزائر التي كانت قد إجترحت إستقلالها تواًّ وبين المغرب وحصل كذلك بين اليمن الجنوبي بعد إنفكاكه عن بريطانيا المستعمرة وبين سلطنة عُمان التي كانت قد أسُتهدفت بوحدتها من خلال إختراع ثورة أعطيت إسم: «الجبهة الشعبية لتحرير ظفار» ساندها الإتحاد السوفياتي والعرب «التقدميون»!! بينما وقف إلى جانب «السلطنة» من كانوا يسمون العرب «الرجعيين»!! وفي مقدمتهم المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية.
لقد كانت هذه هي سمة الصراع العربي – العربي في تلك الفترة التي إنتهت بعد سقوط الإتحاد السوفياتي وبعد «إندثار» وانتهاء صراع المعسكرات وفقاً لمعطيات تلك الحقبة وذلك الوقت لكن ما أنْ كدنا نبدأ بتنفس هواء نقيٍّ ونحلم ليس بوحدة عربية من المحيط إلى الخليج وإنما بسوق عربية مشتركة كالسوق الأوروبية المشتركة التي انتهت بقيام هذا الإتحاد الأوروبي حتى داهمنا كل هذا التشظي العربي الذي بدأ بإندلاع الحرب العراقية – الإيرانية وقبل ذلك وبعدما اختارت مصر، بعد حرب أكتوبر (تشرين الأول) العظيمة بقيادة الرئيس الراحل أنور السادات، الصلح مع إسرائيل وعقدت إتفاقيات كامب ديفيد وكل هذا وإلى أنْ اندلعت هذه النيران المشتعلة في العراق وفي سورية وفي اليمن فأستجدت العودة إلى صراع المعسكرات وحيث أن هناك من انضم إلى روسيا وفلاديمير بوتين وهناك من انضم إلى الولايات المتحدة والغرب الأوروبي بينما هناك المؤلفة قلوبهم الذين اختاروا أنْ يضعوا أنفسهم «رِجْلاً في البور ورِجْلاً في الفلاحة».
والمستغرب حقاً أنه في زمن صراع المعسكرات بين كتلة «تقدمية»!! سوفياتية وكتلة «رجعية» غربية–أميركية لم ينقطع الودَّ بين العرب كدول وكشعوب وأن الجامعة العربية لم تصب بالكساح الذي تعاني منه الآن وأنَّ القمم العربية لم تتوقف كما توقفت عملياً منذ عام 2002 وحتى الآن وأن القطيعة بين الشقيق وشقيقه لم تصل إلى هذا الذي وصلت إليه والذي يعتبر وصمة عار في جبين هذه الأمة التي غدا يتناهشها الأعداء والطامعون كما يتناهش الجوعى الطعام عندما يتحلقون حول قصعة غير ممتلئة!!.
كان هناك في تلك الفترة، فترة خمسينات وستينات القرن الماضي وإمتداداً إلى بدايات تسعيناته سعات خير كانوا يبادرون إلى رأب الصدوع وإصلاح ذات البين بين الأشقاء المشتبكين والمتناحرين أما في هذا الأيام السوداء وفي هذه الفترة التاريخية المريضة التي تعطلت فيها لغة التفاهم والحوار بين الشقيق وشقيقته وتعطلت فيها القمم العربية والجامعة العربية أيضاً فإنه لم يعد يوجد أمثال أولئك العقلاء الذين كانوا يعضون على جروحهم ويذهبوا إلى من يختلفون معهم من أشقاء فينقلب الخصام إلى ودٍّ ويصبح التباعد تقارباً وفقاً للعادة العربية الجميلة المعروفة.. إنه زمن الوحشة وزمن ذبول الروح القومية ولذلك فإن بلادنا أصبحت كقصعة يتناهشها الأعداء القريبون والبعيدون ولذلك فإننا نلمس ونرى كل هذا النسيان العربي لفلسطين ولذلك أيضاً فإننا نرى كل هذا الإختراق الإيراني لوجداننا القومي.. وإلى حد أن الولي الفقيه قد فرد عمامته فوق بغداد ودمشق بعد إسقاط الراية العربية الجميلة ذات الألوان الأربعة الجميلة.