تشكيل لجنة ملكيّة للمرّة الثانية لتطوير القضاء هي أول مخرجات الورقة النقاشيّة السّادسة، والتي عبرّت عن بصيرة نافذة ومتقدّمة لجلالة الملك الذي كرّس رؤيته ومسعاه لتطوير البناء الديمقراطيّ والدّفع إلى تبني مفهوم الدّولة المدنيّة التي لم تغب بكثيرٍ بملامحها عن الدّولة الأردنيّة منذ صدور دستور عام 1952، وقد أسهمت ظروف الإقليم الملتهبة وانتفاضات الشّعوب العربيّة المُوجّهة وغير المُوجّهة إلى ضرورة تبني مفهوم الدولة المدنيّة قولاً وفعلاً وحسماً للجدل الدّائر على صفيح ساخن. فالدّولة المدنيّة هي الحل إذا صدقت نوايا المؤسسات التي يقع على عاتقها تنفيذ الرؤية الملكية. وإذا كانت سيادة القانون من أهم مظاهر الدولة المدنيّة فإن أول ما يستوجب التّيقن منه هو وجود نظام قضائيّ عادلٍ ونزيه وفوق ذلك ناجز وسريع في البت في المنازعات التي أرهقت رفوف خزائن غرف القضاة ومستودعات دوائر التّنفيذ، فما الفائدة من الحكم بمبلغ ماليّ حكماً قطعيّاً وتوفر إمكانية مُماطلة المحكوم عليه لسنوات يموت خلالها صاحب الحق أو الحكم القطعيّ.
ليس مخجلاً ولا محرجاً أو محبطاً أن نقول أنّه بالرّغم ممّا حظيت به مسألة التّطوير القضائيّ من اهتمامٍ ورعايةٍ إلاّ أنّ مشكلة إطالة أمد التّقاضي ما زالت صامدة ومعاندة لمفاعيل كل خطط التّطوير التي توالت منذ تشكيل اللّجنة الأولى في عام 2000م وما تبعها من توجيهاتٍ ملكيّةٍ وتعهّداتٍ حكوميّةٍ بتطوير القضاء، فلم يخل كتابٌ للتّكليف الساميّ لأيّ حكومةٍ أو خطابٌ من أيّ حكومةٍ لنيل الثّقة دون المرور على محطة التّطوير القضائيّ.
مبادرة جلالة الملك باستكمال مسيرة الإصلاح والتّطوير وتعزيز مقوّمات الدّولة المدنيّة جاءت فاعلةً وسريعةً لتلبية المُستجد، فيوم أمس تشكّلت لجنةٌ ملكيّةٌ للنّظر بتطوير القضاء وبرئاسة دولة رئيس الوزراء الأسبق زيد الرفاعي أرشيف الخبرة الحكوميّة الأردنية، وقد ضمّت تلك اللّجنة نخبةً من الوزراء والخبراء من رجال القانون المتميّزين المتضلّعين بإجراءات التّقاضي وكل منهم على درايةٍ وثيقةٍ بما يعاني منه الجهاز القضائيّ سيما والحمد لله أن رئيس المجلس القضائي عضو بهذه اللجنة. مما لا شك فيه أن القضاء الاردني تغلب عليه سمة النّزاهة والحيدة، إلاّ أنّ ذلك لا يغني ولا يسكت الأصوات العالية والمعبّرة عن التّبرم المتصاعد من المتقاضين، وأصحاب الحقوق نتيجة بطء الفصل في مرحلتيّ التّقاضي والتّنفيذ، فهذه المعضلة ليست طارئةً أو جديدةً بل هي قضيةٌ مزمنةٌ وعامةٌ منذ عقود وهي لا تعزى إلى جهةٍ معينةٍ، فلا يتحمّلها القضاة الأجلّاء وحدهم، أو جهاز التّفتيش المُكبل، أو الموظفين العاملين في المحاكم وحدهم، أو المحامين وحدهم، أو نصوص قوانين إجراءات المُحاكمة الرّخوة، ولا بعض المُحضرين المُتقاعسين عن العمل، ولا الخبراء الغائبين عن الجلسات بل أنّ جميع هذه الأطراف المُشار إليها مع المتخاصمين والشّهود في دعاوى التّقاضي والتّنفيذ مسؤولون جميعاً بالتّكافل والتّضامن عن هذه المشكلة ولو بنسبٍ متفاوتةٍ.
ظاهرة التّأجيل غير المبرّرة تتجسّد في أكثر من حالةٍ ومنها التّأجيل الأتوماتيكيّ للقاضي المُجاز، وعدم سماع الشّهود، وتأجيل المُحامين بسبب موت قريب لهم والتّأجيل لإعادة التّبليغ بسبب عدم وضوح العنوان، وعدم تدوين اسم الشّاهد على ورقة التّبليغ بالإلصاق، والتّأجيل لعدم حضور الخبير الذي يغيب لعدة شهور، وإذا صدر قرار الخبرة فيتم إعادة الخبرة للمرّة الثانية والثالثة والرّابعة كما حصل في بعض القضايا، أمّا قبول قيد استئناف القرار القطعيّ فبالرغم من أنّه لا يوقف التّنفيذ إلاّ أنّ الملف يغيب لعدة شهور، كما يلحق بذلك مشكلة طباعة قرار الحكم الذي قد يأخذ مدة أسبوعين حتى يتم طباعته أو تسليمه قبل مرور مدة الاستئناف بيوم أو يومين وعلى صعيد الإجراءات في القضايا الجزائيّة فهذه بحاجة إلى بحثٍ طويلٍ، لأنّ أهم ما ينبغي التّنبيه إليه هو ضرورة ترشيد تسطير مذكرات الإحضار، ووضع التّعاميم بإلقاء القبض ولا سيّما في الدّعاوى الكيديّة، كما ينبغي تعزيز صلاحية المدّعي العام لإصدار قرارات منع المحاكمة بدلاً من قرارات الظن الأتوماتيكيّة والإحالة إلى المحاكم عن جنب وطرف.
عدم صدور الأحكام بالسّرعة المطلوبة يبطِئ سير العدالة وقد يعتبر إنكاراً لها، وهذا ليس من سمات الدولة المدنيّة (دولة القانون والمؤسسات)، ومعالجتها والتّصدي لها هو على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، فضمان العدالة النّاجزة يهدئ من روع المظلومين وأصحاب الحقوق ويساعد على جذب الاستثمار ويعزّز من حس المواطنة الصالحة في الدولة المدنيّة التي ننشدها، ما نتمناه أن تخرج علينا اللّجنة الملكيّة بخطةٍ محكمةٍ وبرنامج واضح للنّهوض بعمل الجهاز القضائيّ بحيث يكون على رأس أجندتها مهمة تقصير أمد التّقاضي والتّخفيف عن كاهل القضاة وتحسين دخولهم التي تآكلت بعد الزّيادة المشهودة التي تمّت على يد أحد أعضاء اللّجنة الملكيّة قبل عشر سنوات، كما يقتضي دعم الأجهزة المُساندة لعمل السّادة القضاة، ومراقبتهم وتحسين ظروفهم وربط ذلك بالإنجاز وحسن الأداء.
لجنة ملكية لتطوير القضاء
12:00 23-10-2016
آخر تعديل :
الأحد