حتى ساعة متأخرة من الليل يلعبون في الشارع وأمام عماراتهم التي يسكنونها وحتى تلك الساعة من الإزعاج والصراخ ولعب الكرة تكون الاسئلة: أين أهلهم عنهم ، لماذا لا يشعرون بغيابهم عن البيت ، هل يسمعون صراخهم وإزعاجهم للجيران ، بل هل يخافون على أولادهم حقا ؟
صورة نمطية تتكرر لمشاهد لأولاد يلعبون في الشارع بعد عودتهم من المدرسة، يلقون بحقيبتهم المدرسية أمام عماراتهم السكنية ويلعبون حتى ساعات الليل دون اهتمام من أهلهم أو متابعة فما الذي يحدث ؟
شكوى متكررة من الجيران الى الأهل دون اكتراث وعلى العكس كثيرا ما تحدث المشاكل والمشاحنات بين الحي الواحد نتيجة ذلك ويمتد الأمر الى الخصام والحقد وفي بعض الحالات الشفقة على تلك الأسر المفككة ومعاملة الأولاد والبنات بالمسايرة والاهتمام والنصح والإرشاد.
كم نعاني وخصوصا مع العطل الطويلة أو مع ساعات الراحة من الإزعاج والاعتداء على حرية الاخرين عندما نجبر على سماع الموسيقى من مركبة مسرعة في الحي أو صراخ لصبية يتشاجرون في الشارع وحدث ولا حرج عن الألفاظ والتصرفات المستخدمة في تصفية الحسابات فيما بينهم والأدهى عدم تدخل أهلهم أثناء الشجار وفض التجمع.
هذا بعض ما يحدث خارج البيت ولكن ثمة ما هو اخطر؛ عزلة الأولاد والبنات بعيدا عن أهلهم وانشغالهم بالأجهزة الخلوية لساعات طويلة دون رقابة أو تفقد من الأهل وسؤالهم عما يفعلون طوال الوقت وسؤالهم عن أمورهم وأحوالهم ومشاكلهم.
نلحظ البعد عن الأولاد والمسافات الشاسعة عن ما يخصهم ويتعلق بهم وعن تفاصيلهم الشخصية والدراسية والاجتماعية وعن أرائهم تجاه العديد من القضايا والتي تستحق المناقشة والحوار والوصول الى قرار مناسب ، فهل نعي بحق حجم هذا البعد وأسبابه ؟
ونلحظ أيضا تراجع منظومة القيم الأخلاقية في المجتمع وانشغالنا في أمور سطحية وانغماسنا في تفاصيل التواصل الاجتماعي عبر رسائل ونسخ طبق الأصل منها لا تفيد سوى في إضاعة الوقت في متابعة ما يصل من « الجروبات « والتي تصل الى أكثر من مئة تعليق في الساعة الواحدة.
نسمع عن قصص عديدة لضياع الأولاد نتيجة عدم اهتمام وحنان ورعاية أهلهم وبعدهم عنهم والذين غالبا ما يقعون في مصيدة الشر ويدفعون الثمن غاليا من تحصيلهم الدراسي وثقتهم بأنفسهم وعلاقتهم بالآخرين وفلسفتهم وقناعاتهم تجاه الحياة ومتطلباتها.
نحتاج الى ايلاء الاهتمام لأولادنا وأمورهم في المدرسة والجامعة والعمل والشارع وفي جميع الأنحاء التي يتواجدون فيها وبما نوفره لهم من تسهيلات ومنافع ونعم والتي تحتاج أيضا الى مراجعة لدراسة جدواها في حياتهم ومدى استفادتهم منها في صقل تجربتهم واغناء مسيرتهم العملية.
علينا الانتباه لأولادنا فثمة ما يهددهم ويحيط بهم الكثير من أسباب الفشل والاتكال والخوف وعدم القدرة على تحمل أعباء الحياة ومواجهة المشاكل والتغلب عليها في الوقت والشكل المناسب بدعم وتأييد من الأهل ومساندتهم باقتدار.
تذكرت على وجه الخصوص كتاب «رسالة الى ولدي « للأستاذ أحمد أمين وعدت لقراءة هذا الكتاب النفيس وتمنيت لو يقر من جديد في مدارسنا وجامعاتنا لعل وعسى أن تصل الرسالة قبل فوات الأوان.