ليلة ظهور نتائج الانتخابات النيابية كانت حافلة بالمفارقات و أكثرها اثارة كانت احتفالات كثير من المرشحين بالفوز مستندين للارقام التي تصلهم من الصناديق التي يجري فرزها ليكتشفوا فيما بعد أن الحقيقة غير ذلك إذ أن نتائجهم المُحتفل بها مجزوءة و لم تكتمل بعد و أن الخسارة كانت من نصيبهم.
الأدهى أن بعضهم بدأ ينسج خرافات حول مجريات الخسارة و كيف أن صندوقاً أو اثنين حضرا من الغيب في ظلام الفجر فقلبا الموازين!
الدراما الكبرى كانت في الارقام التي حصل عليها معظم المرشحين و أغلبها بالالاف جعلت كثيرين منهم و بالخصوص أولئك الذين انخرطوا في القوائم كحشوة يتوهمون أنهم حصدوا نتيجة مهمة رغم أن الأمر و ما فيه لا يتعدى وجودهم في قوائم جمعت أصواتاً لجميع ركابها!
ما جرى قد يترك تبعات اجتماعية إذا حدث و حاول هؤلاء- استناداً إلى الارقام الهلامية هذه- البحث عن حضور اجتماعي بالرغم من ادراكهم لماهية وزنهم الاجتماعي الحقيقي الذي في كثير من الأحيان لا ينسجم اطلاقا مع الارقام هذه، فالناس ستكون مجبرة بحكم مظلة المجاملات المزيفة التي يتفيأ بها مجتمعنا على امتصاص شطحات هؤلاء على حساب الحقيقة المرّة التي تم اغفالها نتيجة احدى البوابات السلبية للقانون الذي أجريت الانتخابات على أساسه و الذي أجبر الناخب على التحرك ضمن القائمة الواحدة فوجد نفسه مضطراً لانتخاب اشخاص معينين في تبعية لتحالفات اجتماعية لم يجد مفراً من الانسياق وراءها.
مهمة مجلس النواب الجديد أن يعيد تقييم قانون الانتخاب و لا ضرورة هنا لانتاج قانون انتخاب جديد بقدر ما تتبدى الحاجة للبناء على القانون الحالي و محاصرة السلبيات لتحسين نوعية مخرجات البرلمان القادم.
تقييد الناخب بالقائمة الواحدة ساهم في خلق فرص مواتية لبناء هالة من الوهم حول بعض من الاشخاص ما كانوا ليحصلوا على خمسة في المئة من عدد الأصوات التي حصلوا عليها لو فُتح المجال للناخب ليختار.
هذا يقودنا إلى الحديث مجدداً عن تقييد الترشيح لمجلس النواب الذي نُوقش باستفاضة في البرلمان الماضي و تم استثناء شرط المؤهل الجامعي بمبرر الحفاظ على النص الدستوري الذي يقضي بمساواة الأردنيين في الحقوق و الواجبات.
المساواة في الحقوق لا تعني أن يكون كل الأردنيين مؤهلين ليصبحوا وزراء أو أعيان أو نواب وكما أنه في حالة الوزراء و الأعيان يخضع الاختيار لاعتبارات عديدة، لا يضير النص الدستوري أن تُقيّد شروط الترشيح لمجلس النواب و تُحصر بحاملي المؤهل الجامعي، فمصلحة الوطن تتطلب ارساء الاستثناء هذا في ظل الواقع الاجتماعي الموجود حالياً الذي يسمح لغير المؤهلين بمزاحمة المؤهلين و بمرور الوقت و مع التراجع المضطرد في نسبة الأميّة و الذي ساهم فيه بقوة اقبال الأردنيين على التعليم الجامعي، بات من الضرورة تحسين مخرجات عملية الانتخاب لينفتح المجال لاضافات نوعية بدل من أن يناط سن التشريعات و القوانين باشخاص لا يتمتعون بأهلية كافية.