لم يُعْنَ احد، كالعرب، بالمعاني، فهم أهلُها وهم ديوانُها، وان احدهم ليُضحي بنفسه من اجل معنى يُجلّه، وان مكارم أخلاقهم لا تنفَكّ عن فرائد معانيهم. كالكرم والشجاعة والشرف. لكن من شأن طبائع الاستبداد ان تحول بين المرء وقلبه، وان تسلبه ذاته وصفاته، وان تنتهي به الى ان يكون صورة شائهة لنفسه. وهذه هي حال الكثرة الكاثرة من عرب الازمنة المتأخرة، بعد ان تباعد ما بينهم وبين المعاني التي كانوا يتفيأونها، وبعد ان ضُرب بينهم وبينها حُجُب ضيقة من مضاداتها التي جثم بها على واقعهم الظلم والقهر والاستعباد وألوان الهوان والامتهان.
كان العرب الذين تنزّل القرآن بين ظهرانيهم احرارا لم تستذلهم قوة باطشة، ولا وطئت بواديهم وقراهم قوى غازية، وكانت «الكرامة» مرادفة للحياة في اعتبارهم، فلما جاءهم الاسلام مقررا كرامة الانسان وانتدبهم لرفع رايتها في الارض امكن لهم، وهم الاحرار، ان يخرجوا الناس من عبودية العباد الى عبادة الله سبحانه، ومن جور الاديان الى عدل الاسلام، ومن ضِيقِ دُنياهم الى سعة الدنيا والآخرة.
اما العرب الذين ارهقهم التطامن للقوى المتصارعة فوق ارضهم قروناً متطاولة، وورثوا جيلا بعد جيل طبائع ما كان يرضاها اسلافهم العظام، فقد ماتت منهم الهِمَمُ ووهنت العَزَمات، اذ الحرية والكرامة هما مبدأ الحضور في التاريخ، ومن يفقدهما يظلّ في هوامشِهِ مذموماً مدحوراً.
ان توافر الفِطَرِ الفائقة وأُولي الألباب في أُمّة العرب (وهي مرادفة عندنا لأُمّة الإسلام) أمر لا ريبَ فيه، قديماً وحديثاً، والكُتُب التي أُلّفت في ذلك كثيرة ومعروفة، وتشتمل على شهادات مُنْصِفة لأمثال غوستاف لوبون، وروزنتال، وتوبي هاف، وآخرين يطول ذكرهم، بيد ان فقدان مناخ الحرية والكرامة وغياب السياسات الرشيدة قد دفع بالمبدعين من علماء ومفكرين الى المهاجر، فانتشروا هنالك في الجامعات والمراكز العلمية ومحطات الابحاث الفضائية، وخسرت الأُمّة بذلك بعضاً من اسباب قوتها وعوامل نهضتها، وطال تقلبها في التخلف الذي تحاول منه انعتاقاً منذ زمن بعيد.
هي الحرية والكرامة اذن، فأين تذهبون؟.