أشغل الرأي العام في الاردن مؤخرا بثلاثة عناوين هامة هي الانتخابات البرلمانية واتفاقية الغاز والمناهج المدرسية.
أية حكومة شرعية تدرك ان مهمتها ليست سهلة ، ولكنها مقتنعة بدور الطبيب الحازم الذي يلزمه قسم سقراط على اقناع مريضه على تناول جرعات الدواء المر مؤقتا والمؤلم أحيانا لحين شفائه لاحقا. الاغلبية الصامتة في الاردن ما زالت متفهمة ، كما كان حالها على مدى العقود الطويلة الماضية ، ومنذ ان كان يتم استيراد السكر والشاي والأرز على ظهور الجمال والحمير ، وهي على استعداد للتعايش مع المستجدات ، لأن صبرها وتفاؤلها هما اللذان أوصلاها الى ما هي عليه اليوم من استقرار أمني وغذائي واجتماعي وثقافي.
بين الطرفين وكما هو الحال في معظم المجتمعات تبرز قوى جذب ومعارضة تبحث عن دور مدفوع بعدد من الافكار والعوامل والاجندات والعلاقات والمصالح ايضا ، يعمل معظمها وينشط تحت مظلة القوانين الحزبية والنقابية والعشائرية وغيرها من المظلات التقليدية المعتمدة. لكن ما يميز هذه القوى هو صوتها المرتفع وقدرتها على التنظيم ومسرحة الحدث مستفيدة من مرونة تلك القوانين.
لكن بعض سلوكيات هذه القوى في التعبير عن ارائها واستعراض مواقفها هنا وهناك ، وبين الحين والاخر، في ارجاء مختلفة من الوطن يشوبها بعض الغموض ، وتثير أكثر من تساؤل عند الغالبية الصامتة العاجزة عن ايصال صوتها ، كونها محاصرة بين المعارضة المتفوهة الجريئة من جانب ، وبين نأي السلطة التنفيذية عنها من جانب اخر ، لأن البيروقراطية على ما يبدو تشكل العامود الفقري في أداء أجهزة السلطة التنفيذية.
أمثلة من الواقع:
نزل رافضو مخرجات الانتخابات البرلمانية الاخيرة ومؤيدوهم الى الشارع فعطلوه وأطلقوا النار ضد الهواء الذي يستنشقونه ، وأحرقوا ما تواجد فيه من اطارات ، وأتوا على الاشجار الجميلة التي تصنع الظل وتولد الاوكسجين ، بدل التعبير عن الاعتراض والشكوك عبر القنوات القانونية. مع ذلك نجحت البيروقراطية الحكومية البطيئة في احتواء الموقف فأعاد الصامتون زراعة الاشجار.
ثم خرجت صيحة رافضي التعديلات المقترحة على بعض المناهج المدرسية التي تقوم المواقع الاعلامية المختلفة وما أكثرها هذه الايام ، ومحطات التلفزيون المحلية والزائرة بتغطيتها ، وبث صور بعض طلاب المدارس صغار السن وهم يمزقون الكتب التي لم تعد تعجب أولياء امورهم ، فيطرحونها أرضا ليجمعها عمال الوطن ، ورقة ورقة ، لتستقر في حاويات القمامة الى جانب الفضلات المتعفنة.
أي مصير أكثر بشاعة وعنفا وجهلا ضد الكلمة والكتاب الذي محى أمية جيل أباء وأجداد طلبة اليوم ، والذين كانوا قد حققوا احلامهم بفضل تلك الكتب وبفضل من ألفها وطبعها ووفرها لهم ، فأحال جهلهم الى معرفة ، وضعفهم الى قوة ، وأصبحوا على ما هم عليه اليوم من علم وفطنة. مرة أخرى البيروقراطية الحكومية تلملم الان صفحات الكتب الممزقة والمبعثرة أمام بوابات المدارس ، وتعيد تشذيبها لتضعها بين أيدي هؤلاء الطلاب.
ثالثا من حق الاغلبية الصامتة ان تعرف مثلا لماذا يصر المعارضون على رفض اتفاقية الغاز الاسرائيلي ولا يتحدثون عن اسباب تكرار تعطيل وصول الغاز المصري ؟ تريد هذه الاغلبية ببساطة ان تعرف ما هي البدائل الواقعية المقترحة لهذه الاتفاقية ؟ البيروقراطية الحكومية تتعاطف مع ربة كل أسرة في حرصها على اعداد الطعام لأفراد اسرتها وحماية اطفالها من برد الشتاء ، سواء جاءنا الغاز من اسرائيل أو هبط علينا من المريخ ، تماما مثل حق المريض في تأمين دوائه وعلاجه اذا تأخر أو توقف.
البيروقراطية الاردنية قد تكون بطيئة في أدائها أحيانا ، لكنها مثل الطبيب الحازم الملتزم بقسم سقراط الذي يعرف كيف يتجاوز الاثار الجانبية للحالة المعروضة أمامه ، فصوت الاغلبية الصامتة ليس في جيب أحد!