«كَعْبُ أخيل» كما قرأنا في إلياذة هوميروس، هو نقطة ضعفه التي أوتي من قِبلها، ذلك أن أمّه حين غمسته في الماء المقدس الذي يهب الخلود، بحسب الأسطورة الاغريقية، فاتها ان الكعب الذي امسكته منه، لم يصله الماء، الامر الذي جعله قابلاً للموت مثل كل الخلائق، واذا كان اخيل رمزاً للبطولة في الإغريق، فان كعبه دليل على استيلاء النقص على البشر، وعلى ان الكمال مطلب عسير لا واقع منظور.
والكعب هنا قد يكون رمزاً للغرور، بما يملكه المرء من قوة او جاه او مال زائل، وقد يكون اغتراراً بكون «مصيره للفساد» كما يقول ابو العلاء المعري في داليتهِ من سقط الزند:
تَعَبٌ كلها الحياة فما أعجب
الاّ من راغب في ازديادِ
إن حُزناً في ساعة الموت
أضعاف سرور في ساعة الميلاد
واللبيب اللبيب من ليس
يغَتّر بكونٍ مصيرهُ للفساد
على ان النتيجة واحدة في كلتا الحاليْن، في نقطة الضعف التي تحول دون الخلود والكمال عند هوميروس، وفي اشتمال الفساد على الكائنات في واقعية المعري المتشائمة.
ويمكن لنا هنا استحضار الفيلسوف الألماني «فردريك نيتشه» الذي انتهى، على الرغم من مناداته بالانسان السوبرمان ومن اعجابه بالنموذج الاغريقي في البطولة، الى ان يكون أحد كبار المتشائمين الذين عرفتهم الحضارة الغربية، ولعلنا ان نُمسك هنا بمَلْمَحٍ مشتركٍ بين نيتشه وأبي العلاء، فكلاهما ينطوي على حس متوفر بشقاء الحياة نملك به تفسير كثير من مواقفهما، وكلاهما امتلك عقلاً نقدياً لا يعرف مهادنة ولا دهاناً.
إنّ من يقرأ «لزوميات» ابي العلاء، و»سقط الزند» له يجد شواهد كثيرة على توقد حِسّه بشقاء الأحياء، كما أن من يقرأ في سيرة «نيتشه» عن وقوفه واهناً يتلقى سياط حوذيّ ينهال بها على بغله، يتبين له أنهما يصدران عن فلسفة واحدة في ادراك شقاء الأحياء، وهي فلسفة واقعية مثالية في آن، على الرغم من تباعد الزمان والمكان، وكم في ذلك من دواعٍ لتدبر المتدبّرين..