طوبى وحسن مآب لك أيها الانسان الذي تسعى سعيك الجاهد في الارض لتحصيل قوت يومك، لا تريد عُلواً ولا فساداً فيها، ولا تبتغي جاهاً كاذباً ولا حَسَباً زائلاً، وتحمد ربك على ان جعلك آمنا في سربك سليما في بدنك قادراً على اداء صلاتك، لا تجد متملقاً يتملقك، ولا منافقاً يُظهر لك غير ما يُبطن، ولا طامعاً يتربص بك الغَفلات ويخدعك عن حقيقته وحقيقتك، بل تدخل في نغمة الستر وطمأنينة الصدق وهدأة الرضى، وتكون في حق اليقين من ان من يحبك يحبك لذاتك وصفاتك وان من يصادقك يصادقك بصفاء لا دخل فيه ومودة لا شائبة فيها، فأيّ هناءة عيش تتقلب فيها، وأي ثراء نفس تتمتع به، وأية سعادة مقيمة تتفيأ ظلالها؟
**
إن في جبابرة المال والسلطان ايها الانسان الطيب من يتمنى أن يصدقه احد بكلمة او بمودة او نصيحة، وإن فيهم من يتمنى ان يرى وجهاً حقيقياً في غمرة ما يكتنفه من اقنعة او من مرايا لا يرى فيها الا نفسه، فأين هذا الفقر من غناك ايها الانسان البسيط، وأين هذا الجدبُ من إيناعك، وأين هذا التكاذب من حقائقك؟
**
إن لك أيها الانسانُ البسيطُ وطناً حقيقياً من قيم وأخلاق وعُرى وثيقة ومروءات وجمالات وكمالات، لا (وهم وطن) من أرقام وحسابات وأرصدة وثروات وما يدور في هذا الأفق الوطيء والفلك الوبيء من لبانات وتدافعات وضروب تربصات، فلا يغرنك ايها الطيب تقلب المفسدين فيما هم فيه، وطِبْ نفساً بما منحك الله اياه وحُرِموه، واجعل بينك وبين مهرجان التغابن الذي يرتعون فيه سدّاً لا يستطيعون ان يظهروه ولا يستطيعون له نقباً، وكن في حِرْزٍ حريز ومَنَعة منيعة مما أفاض الله به عليك، ولا تكُ في ضيق مما يؤفكون به من لهو ولعب وزينة وتفاخر.. ذلك متاع حياتهم الدنيا، والعاقبة لك أيها الطيب، في هذه وفي الآخرة.. ولكن أكثرهم لا يعلمون...